
مع تعقيد العلاقة بين الجغرافيا والسياسة، باتت المسطحات المائية العابرة للحدود مثالاً جلياً على كيفية التداخل بين الطبيعة والصراعات السياسية، وفي ظل تفاقم أزمة ندرة المياه خلال العقود الأخيرة وتزايد الطلب العالمي على المياه العذبة، تحول الماء الذي يطفئ النار إلى مادة قد تشعل نيران الحروب، وسلاحاً يستخدم في تغذية الصراعات نتيجة التنافس على مصادر المياه وإدارتها.
إذا نظرنا إلى خريطة العالم وتفحّصنا جيداً مناطق الصراعات الدولية على المياه؛ سوف نجد أن حوض نهر النيل يشهد توتراً يتصاعد بشكل سريع منذ إطلاق إثيوبيا مشروع سدّ النهضة عام 2011، حتى أن النزاع الدائر بالمنطقة يصنف ضمن أحد أكثر صراعات المياه "شدة وتقلباً" في العالم، حسب موقع Geopolitical monitor.
وقائمة "مركز الأبحاث والدراسات الأوروبي" " adelphi"
دول حوض النيل وإشكالية سد النهضة
على مدار التاريخ، شكّل نهر النيل جزءاً اصيلاً من الهوية الطبيعية للقارة الإفريقية ومصدراً حيوياً لثرواتها المائية، وشريان الحياة الذي يسري بين دول حوض النيل، لكنه في الوقت نفسه تحول إلى نقطة توتر إقليمي بعد إعلان حكومة أديس أبابا عن خطط لبناء سد النهضة بهدف استغلال مواردها المائية لتوليد الطاقة الكهرومائية.
وقد أدى مشروع سد النهضة إلى توتّر في العلاقات بين الدول المجاورة لسببين هما:
أولا: عدم وجود معاهدات بين جميع الأطراف المعنية تنظّم وتنظر في تخصيص المياه أو الحقوق المائية لكل دولة في حوض النيل، والتي تشمل دول المنابع وهي إثيوبيا، أوغندا، كينيا، تنزانيا، رواندا، بوروندي، الكونغو الديمقراطية، إريتريا، ودولتيّ المصبّ أي مصر والسودان، إلى جانب جنوب السودان التي انضمت إلى دول حوض النيل عام 2011.
ثانيا: أهمية دولة إثيوبيا كونها المصدر الذي يغذي نهر النيل الرئيسي بحوالي 70% من مياه النيل، من خلال موسم الأمطار الكثيف الذي تشهده الهضبة الإثيوبية، وتصل هذه المياه إلى نهر النيل من خلال 3 روافد هي النيل الأزرق والسوباط وعطبرة. من هنا، يعتبر مشروع سد النهضة في تلك المنطقة تهديداً لتدفق المياه مما يهدّد الأمن المائي لدول المصبّ (أي مصر والسودان).
وبحسب بوابة الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، تحصل مصر بمقتضى اتفاقية 1959 "على 55.5 مليار متر مكعب سنوياً من المياه، بينما يحصل السودان على 18 مليار متر مكعب، باعتبار أن الإيراد الإجمالي للنهر هو 84 ملياراً، يضيع منها حوالي 10 مليارات متر مكعب، أثناء الاندفاع من الجنوب إلى الشمال بسبب البخر والتسرب".
وفي هذا الإطار، تشكل التأثيرات المحتملة لبناء السد على مجرى نهر النيل مصدر قلق بالغ لدولتي المصبّ وخاصة لمصر، والتي يمثل نهر النيل مصدرها الرئيسي للمياه وتمثل حصتها (55.5 مليار متر مكعب) نسبة 79.3% من الموارد المائية بالبلاد، وتغطي 95% من الاحتياجات المائية الحالية، وبالتالي من شأن أي تخفيض في حصة مصر المائية أن يتسبب في كارثة بسبب اعتماد مصر شبه الكامل على مياه النيل باعتبارها دولة صحراوية.
ومما يزيد من إشكالية قضية سد النهضة هو تباين تأثيراته على السياسات الاقتصادية ما بين دول المنبع والمصب كما سوف نفند :
إثيوبيا
على النيل الأزرق، أكملت إثيوبيا بناء سد النهضة الذي يبلغ ارتفاعه 145 متراً، وبسعة خزان 74 مليار متر مكعب؛ ويُعد مشروعًا استثماريًا بقيمة 4.7 مليار دولار. وتشير منظمة "حلف الأطلسي في كندا" (NAOC) إلى أن سد النهضة من المتوقع أن يحقق لإثيوبيا مجموعة من العوائد الاقتصادية تتلخص في التالي:
أولا: إنجاز أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، والذي من المفترض أن ينتج طاقة تقدر بـنحو 6 آلاف ميجاوات من الكهرباء في بلد يعاني 66% من سكانه حاليًا من انقطاع الكهرباء.
ثانيا: الاستفادة من الإمكانات الإثيوبية الكبيرة المتوقعة في مجال الطاقة الكهرومائية مما يقلل الاعتماد على الوقود العضوي ويساهم في تنفيذ المشروعات التنموية.
ثالثا: تصدير فائض الطاقة لدول الجوار مما قد يوفر الكهرباء ليس فقط للإثيوبيين ولكن أيضاً لسكان القرن الأفريقي.
رابعاً: سوف يُتيح السد ريّ أكثر من 1.2 مليون فدان إضافي من الأراضي الزراعية ، مع توقعات بنمو الاقتصاد الإثيوبي من خلال زيادة المحاصيل الزراعية.
وعلى الرغم من أن مشروع السدّ قد يشكّل فرصة لحلّ مشكلة الطاقة من خلال تعزيز إمدادات الطاقة الكهرومائية، إلا أنه قد يعرّض الأمن المائي في المنطقة للخطر ويحمل الاقتصاد الاثيوبي تكلفة اقتصادية باهظة تؤثر على القطاعات التمويلية الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل الآثار الاجتماعية الناتجة عن بناء السدّ وعمليات التهجير السكانية التي رافقت المشروع. كما أن استمرار الوجود المائي في منطقة الخزان قد يؤدي إلى اتساع انتشار مرض الملاريا وزيادة التأثيرات الصحية التي تفرض ضغوطا اقتصادية واجتماعية جديدة.
مصر
يشكّل مشروع السد تهديداً وجودياً لمصر ويكبّدها خسائر مالية واقتصادية ومناخية هائلة أهمها:
أولاً: انخفاض تدفق مياه النيل إلى مصر بنسبة 25٪ خلال فتر ملء الخزان والتي تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات بحسب تقرير "المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية". وبحسب عدد من الدراسات الصادرة عن جامعة القاهرة، من المتوقع أن تنخفض حصة مصر إلى ٣٤ مليار متر مكعب سنويًا، والذي يهدّد بدوره بانعدام الأمن المائي في البلاد مع التزايد السكاني المستمرّ وبتدمير القطاع الزراعي والحيواني بالإضافة إلى الآثار البيئية المدمرة والجفاف التي ستنتج عنه ما يدخل البلاد في أزمات غذائية واقتصادية حادة.
ثانيا: خطر التصحر فبحسب "بوابة الهيئة العامة للاستعلامات المصرية"، من الموقع في حال تمّ استكمال وملء السدّ أن تتقلص مساحة الأراضي الزراعية المصرية حيث تقدر الخسارة بنحو 3 ملايين فدان من الأراضي الزراعية، الأمر الذي سيفاقم من خطورة مسألة الأمن الغذائي وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ثالثا: ضرب قطاع الزراعة الذي يشكّل عصب الاقتصاد المصري، إذ يبلغ عدد العاملين في القطاع الزراعي في مصر نحو ٢٣٪ من إجمالي قوة العمل بالسوق المصرية ، لذلك فإن الآثار المترتبة على مشروع السدّ لا سيّما خسارة الأراضي الزراعي سيؤدي إلى تشريد ما يتراوح بين ٥ إلى ٦ ملايين مزارع ما يفاقم حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في الريف.
رابعا: عجز في توليد الطاقة المائية. إن استكمال ملء خزان السدّ سيسبّب في انخفاض مستوى المياه والتخزين في بحيرة ناصر مما قد يؤثر على عمل التوربينات الكهرومائية.
ويتوقّع "المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية" انخفاض إنتاج الطاقة من السد العالي بنسبة 30% خلال فترة الملء، والتي تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات، بالإضافة إلى انخفاض مستوى بحيرة ناصر وما يترتب على ذلك من حدوث فترات جفاف وتدهور في نوعية المياه.
السودان
تنقسم الآثار المتوقعة لسد النهضة على السودان إلى مجموعتين وفقا لـ "منظمة حلف الأطلسي في كندا" (NAOC)
١. الآثار الايجابية
أولاً: حَجز الطمي الناجم عن فيضان النيل الأزرق، وهذا من شأنه أن يقلل من الطمي في السودان بمقدار 100 مليون طن من الطمي، مما يحافظ على سدود السودان من الرواسب ويزيد من الطاقة التخزينية وتوليد الكهرباء في هذه السدود.
ثانياً: توقف الفيضانات المدمّرة، مما يساعد السودان في تنظيم المواسم الزراعية والإنتاج الكهربائي وتنظيم تغذية المياه الجوفية مع ضمان إمداد ثابت من المياه.
ثالثاً: توسع الأراضي الصالحة للزراعة مع انحسار المياه وترسّب الطمي في الأراضي السودانية، ما يزيد من الناتج المحلي الإجمالي للسودان مع فرصة الاستفادة بالكهرباء المولدة من سدِ النهضة.
2. الآثار السلبية
أولاً: في بداية الملء من المتوقع حرمان آلاف الفدادين من وصول المياه إليها خلال موسم الفيضان مما يفقدها إنتاجها من المحاصيل، كما يؤثر ذلك على منسوب المياه الجوفية والزراعة.
ثانيا، بحسب "بوابة الهيئة العامة للاستعلامات المصرية"، هناك احتمال أن يحدث انهيار في السد بسبب بنائه في منطقة منحدرة تشهد اندفاع مياه النيل الأزرق مما يؤدي إلى فيضانات قوية. أما في حالة الانهيار التام للسد سوف تغرق العديد من المدن ومنها الخرطوم.
مسار المفاوضات والأسانيد القانونية
منذ عام ٢٠١١، بدأت جولات المفاوضات بشأن سد النهضة حيث اعتمدت كل مجموعة على مجموعة من التفسيرات القانونية التي تدعم حقها وحقوقها في مياه نهر النيل وفقاً لوجهة نظرها.
تستند دول المصبّ أي مصر والسودان إلى مبدأ الحق التاريخي المكتسب بناء على الاتفاقيات التي وقعت بين مصر وأثيوبيا وما ينوب عنهما، بدء من بروتوكول روما 1891 وصولاً إلى إطار التعاون بين مصر وإثيوبيا عام 1993 وهي اتفاقيات تنصّ جميعها على الحفاظ على الموارد المائية والتعهد بعدم الإضرار بالمصالح المائية لدولتي المصبّ من خلال إنشاء سدود أو مشاريع تعرقل تدفق المياه إلى تلك الدول دون الاتفاق بين الدول الثلاث، وفقا لبيانات "بوابة الهيئة العامة للاستعلامات المصرية".
أما إثيوبيا، فيبني المسؤولون فيها حجتهم القانونية على مبدأ السيادة وحق استغلال الموارد بالطريقة التي تحددها الحكومة، بالاعتماد على المادتين رقم 5 و7 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، والتي تنص على مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، ويقتضي هذا المبدأ أن تنتفع الدولة بأي مجرى مائي دولي يمر في أراضيها، مع الالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول أخرى تشاطرها نفس المجرى المائي.
وقد أدى تباين المصالح بين إثيوبيا، باعتبارها دولة منبع من جهة، وبين دول المصب من جهة أخرى إلى توقف المفاوضات، وأعلنت مصر انتهاء مسار المفاوضات في ديسمبر 2023 بسبب عدم التوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف في حين واصلت أديس أبابا أعمال البناء وملء السد.
وقد أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن اكتمال بناء سد النهضة 100% في كانون الأول/ديسمبر الماضي 2024، وبذلك تظل الازمة عالقة مما قد يمثل تهديدا لاستقرار إفريقيا ويثير توترات جيوسياسية حادة بين الدول الثلاث.
استقرار القارة السمراء في ظل النزاع المائي
يشمل حوض النيل 11 دولة أفريقية (المذكورة أعلاه) وتبلغ مساحة هذه الدوَل حوالي 8.9 مليون كيلومتر مربع، أي ما يوازي 30% من مساحة القارة السمراء، بينما يشكّل سكان دول حوض النيل نحو 40% من إجمالي سكان القارة. ويعني ذلك بأننا أمام كتلة سكانية حرجة يجب احترام حقوقها وعدم المجازفة بأمنها المائي والغذائي أو تحويل أهدافها ومشاريعها التنموية الى أوراق ضغط سياسية أو التلويح باستخدام القوة العسكرية، حتى لا تدخل القارة في نفق مظلم يضرب استقرارها.
وربما يحمل البيان المشترك الصادر عن أعمال الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية والريّ من السودان ومصر، والذي انعقد الشهر الماضي في القاهرة، رسالة إيجابية حول أهمية البحث عن مخرج سياسي لهذه الأزمة رغم توقف مسار مفاوضات سد النهضة، حيث شددت مصر والسودان على إصرارهما على التوصل لحلول سلمية وسياسية مع تأكيد الجانبين على أن قضية السد الإثيوبي تظل مشكلة بين الدول الثلاث (مصر- السودان -إثيوبيا) دون استدراج باقي دول الحوض للوقوع في هذه القضية.
وهكذا، سوف تستمر مبادرة حوض النيل لعام 1999 باعتبارها آلية التعاون الشاملة التي تجمع كل دول الحوض وركيزة التعاون المائي لتحقيق المنفعة العامة، مما يحافظ على أواصر الصداقة بين دول حوض النيل، رغم بقاء المشكلة قائمة بين كل من إثيوبيا ومصر والسودان، وإن كانت الأخيرة قد تجني بعض الفوائد من سد النهضة على المدى الطويل الأمر الذي يؤهلها للعب دور الوسيط بين طرفي الأزمة الأكثر تعنّتا أي إثيوبيا ومصر، وهو ما يفرض سؤالاً مهماً وهو: هل نحن أمام نزاع مائي فقط أم هناك وجها آخر للصراع بين مصر وإثيوبيا؟
يمثل نهر النيل بالنسبة للبلدين أهمية بالغة تتجاوز كونه مورداً طبيعياً ومصدراً للمياه. فمصر تنظر إلى النهر من منظور وجودي يمتدّ تاريخيًا وثقافيًا، إذ أن الحضارة المصرية القديمة اشتهرت عبر العصور بمقولة مصر هبة النيل.
أما من الناحية العملية، يعتبر نهر النيل مصدر الماء الرئيسي للشرب والزراعة وكل قطاعات الحياة. لذلك، ترى مصر في سد النهضة تهديداً كبيراً لأمنها المائي وأزمة ترتبط بالأمن القومي ومستقبل الأجيال القادمة.
من جانبها، ترى إثيوبيا في سد النهضة رمزاً للوحدة الوطنية في مواجهة الفقر والتخلف، فقد شكّل السد قضيةً قومية موحّدة تجمع حولها الإثيوبيون من جميع الخلفيات العرقية والدينية، حسب وصف مجلة "فورين بوليسي"
أما من الناحية العملية، يساهم سد النهضة في تعزيز قطاع التصنيع في إثيوبيا وفي رفع مستوى معيشة الإثيوبيين بشكل ملحوظ، ويوفر الكهرباء، ويمثل مصدر دخل كبير للبلاد في ظل تحولها إلى تصدير الطاقة النظيفة.
في الختام، يمكن القول أن هذا النزاع حول سد النهضة هو أيضاً صراع بين الهوية المصرية القديمة، التي نشأت على ضفاف النيل منذ آلاف السنين، وتلك الإثيوبية الجديدة التي تحاول جعل نهر النيل شعاراً لوحدتها وتطورها.
وفي هذا السياق، فإن التوصل إلى اتفاق بين الدولتين بشأن سد النهضة سوف يتطلب بذل الكثير من الجهود لنزع فتيل التوتر حول نهر النيل، في ظل خلفية هذه الهويات المتنافسة، مع البحث عن حل لهذا المأزق المعلّق من خلال تلبية احتياجات مصر من الأمن المائي، مع وجود آلية لحل النزاعات تثق جميع الأطراف بأنها عادلة ومنصفة من أجل الحفاظ على وحدة واستقرار وهوية القارة الإفريقية.

سياسة
نناقش القضايا السياسية الرئيسية على المستويين المحلي والدولي، من تحليل السياسات الحكومية إلى القضايا الجيوسياسية والعلاقات الدولية. نقدم تغطية متعمقة للأحداث والتطورات السياسية، مع دراسات وتحليلات تسلط الضوء على التحديات والفرص في المشهد السياسي المعاصر.
عرض جميع المدونات >
0 التعليقات
اترك ردًا
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *