تم نشر المقال على موقع 180 بوست
تتجه الأنظار إلى القمة العربية المرتقبة في مصر (الثلاثاء 4 مارس 2025) لتقديم خطة بديلة عن خطة دونالد ترامب التي باتت تعرف باسم "ريفييرا الشرق الأوسط" والتي تهدف إلى تهجير أهل غزة إلى مصر والأردن، وتحويل القطاع إلى مستعمرة أميركية-إسرائيلية. بالطبع، لا يحتاج أحد إلى التذكير بخطورة هذا المخطط الموجود على الأجندة الإسرائيلية منذ العام ١٩٤٨، بدعم وتمويل أميركيين، على الأمن القومي العربي وعلى مصالح الدول العربية قبل مصالح فلسطين والفلسطينيين.
في الأسابيع القليلة الماضية، عبّر قادة الدول العربية عن رفضهم لمخطط التهجير الفلسطينيّ الجديد، وتفاوتت ردود الفعل العربية على ما أدلى به ترامب، ولو أنها كلها كانت رافضة، إلا أن أكثرها شدّة كان موقف مصر والسعودية لا سيّما في ضوء تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن اقتطاع أراض سعودية وتهجير الفلسطينيين إليها. وعلى الرغم من تراجع حدة التصريحات الأميركية والإسرائيلية، ودخولهما في لعبة المناورة السياسية لا سيّما في ما يخصّ الانفتاح الأميركي على الخطة العربية البديلة التي سيقدمها القادة العرب في ما بدا أنه نوع من التراجع الأميركي التكتيكي لامتصاص الغضب الشعبي العربي والموقف الرسمي العربي الموحد للمرة الأولى منذ عقود، يجب على الدول العربية اتباع خطة سياسية واقتصادية حازمة وواضحة وعمليّة تردع مطامع كلّاً من ترامب ونتنياهو من جهة، وتضمن دعم أهل غزة في أبسط مقوّمات الصمود لتثبيتهم في أرضهم من جهة أخرى.
في هذا الإطار، لا بدّ من الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية مصر هما الدولتان العربيّتان المعنيّتان بشكل مباشر في أخذ المبادرة والضغط على الولايات المتحدة الأميركية، راعية إسرائيل، وكلاهما يشكلان جبهة سياسية اقتصادية متكاملة تستطيع إنقاذ المنطقة العربية من هذا المخطط القاتل لكلّ الأطراف.
في مقالة سابقة، كنت قد أشرت إلى الخطوات التي يمكن لمصر أن تتبعها لمواجهة مؤامرة التهجير الفلسطينية. وفي هذا المقال (راجع نصّ أوراق القوة لدى مصر على موقع "مؤسسة دياليكتيك")، سأتناول بالدرجة الأولى أوراق القوة التي تمتلكها السعودية بالتكامل والتعاون مع مصر، ذلك أن الدولتين يحتاجان إلى بعضهما البعض في هذه المعركة وهما فعليّا تكمّلان بعضهما البعض من خلال الدور السياسي لمصر والدور الاقتصادي للمملكة.
منذ انطلاق قطار التطبيع في العالم العربي قبل حلّ القضية الفلسطينية، لا سيّما مسألة إقامة الدولة الفلسطينية، وهي أبسط الحقوق الفلسطينية وأكثر الحلول التي تؤسس إلى استقرار في المنطقة العربية، كان الهدف الأكبر لإسرائيل هو إتمام التطبيع مع المملكة العربية السعودية دوناً عن غيرها، إذ أن هذه الخطوة لو طبّقت ستؤدي مبدئياً إلى التحاق باقي الدول العربية الرافضة للتطبيع تباعاً بالمملكة، لما للأخيرة من رمزية دينية إسلامية أولا ودور وقوة سياسيتين واقتصاديتين ثانياً. .
في العام ٢٠٢٣، قامت المقاومة الفلسطينية بعملية ٧ أكتوبر، وكانت أبرزت نتائجها إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة وانكشاف الحقيقة الإجرامية للاحتلال الإسرائيلي تحديدا لدى شعوب الدول الغربي بفعل جرائم ومجازر الإبادة الجماعية التي ارتكبها على مدى أكثر من عام، والاعتداءات والمجازر التي ارتكبها وما يزال، أكان في الحصار المستمرّ على غزة أو في موضوع الأسرى أو في زيادة وتيرة الاستيطان والاجتياحات المستمرّة والمتصاعدة في الضفة الغربية بهدف تهجير أهلها.
بعد ٧ أكتوبر، وبعد تداول الأخبار حول اقتراب التطبيع السعودي الإسرائيلي دون شرط الدولة الفلسطينية (نفت السعودية ذلك مراراً)، أعادت المملكة الربط بين التطبيع وبين إقامة الدولة الفلسطينية.
بالطبع، ليس سرّاً القول أنّ وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لا يؤيّد كل حركات المقاومة في المنطقة وتحديداً حركة حماس (وحزب الله في لبنان بطبيعة الحال) لأسباب سياسية وعقائدية وفكرية مرتبطة بتوجّهات ورؤية الأمير الشاب للمنطقة. رغم ذلك، فهو يعي رمزية بلاده الدينية وأهميّة هذه المكانة التي تتميّز بها ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي لكن أيضاً في العالم أجمع، بالإضافة إلى قوّتها الاقتصادية والسياسية عبر التاريخ. ويعي أيضا محورية ورمزية القضية الفلسطينية لدى شعوب الدول العربية والإسلامية من منطلقات عدة على اختلافها، دينية وإنسانية ووطنية وقومية، وقد ازدادت هذه الأهمية وأخذت زخماً إضافياً لا سيّما وأن الجيل الجديد في السعودية البعيد نسبياً عن الشؤون السياسية في المنطقة قد "تعرّف" أكثر على الإجرام الإسرائيلي وبات يعي أكثر حقيقة المشروع التوسعي الإسرائيلي في فلسطين والمنطقة، وبأن الفلسطينيين ليسوا المشكلة بل إسرائيل التي لا تريد السلام بل إذعان الدول العربية، وتريد قتل وتهجير الفلسطينيين.
وأيضاً، ليس سرّاً القول بأن تهجير أهل غزة بمن فيهم أعضاء حركة حماس، ليس بالأمر الواقعيّ إذا لم يكن مستحيلاً، فقد تقبل الحركة بالانكفاء عسكرياً في غزة لكن لا يمكن أن "تختفي" ذلك أن عناصرها هم من أبناء غزة، وتهجيرهم أسوة ببقية الناس سيزيد من شعبيتهم وشرعيتهم ليس فقط في فلسطين بل في مختلف الدول العربية والغربية.
من هنا، إن نجاح مخطط التهجير سيؤدي أولاً إلى ازدياد الغضب الشعبي العربي لا سيّما عند الشباب في كل الدول العربية ومنها المملكة العربية السعودية، وسيضع تلك الدول في موقع العاجز عن حماية الأرض العربية بما فيها حدودها ذلك أن التهجير لا يمكن فصله عن مشروع "إسرائيل الكبرى" والذي تُجاهر به إسرائيل علناً بنيّتها العمل على ضمّ أجزاء من الدول العربية.
تعتبر المملكة العربية السعودية أكبر قوة مالية واقتصادية في الشرق الأوسط وهي تمتلك مقوّمات كثيرة لجعلها القوّة الأكثر نفوذاً في المنطقة ولاعباً أساسياً في العالم لعدة عوامل منها:
- أكبر مصدّر للنفط في العالم
- قوة بشرية كبيرة إذ أنها تمتلك مساحة جغرافية واسعة وأكبر دول الخليج بالسكان وهي قوية بالموارد البشرية.
- رمزية دينية كبيرة في العالم لأنها تعتبر مهد الديانة الإسلامية.
- قوة اقتصادية ضخمة من حيث القوة المالية، البنية التحتية، الاستثمارات الأجنبية واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، التكنولوجيا، الاتصالات، السياحة، المواصلات وغيرها من الموارد الاقتصادية المتنوّعة تبعا لرؤية المملكة ٢٠٣٠.
- الضغط بفاعلية لإدخال المساعدات المطلوبة إلى غزة وفكّ الحصار لمساعدة الناس على البقاء في أرضهم.
فكيف يمكن للمملكة فعلياً مواجهة مخطط التهجير الفلسطيني؟
أولاً، دعم مصر وتمكينها اقتصادياً. تشكّل مصر القوة السياسية الأكبر في المنطقة بفعل تاريخها وموقعها الجغرافي الاستراتيجي ودورها المستمرّ والمحوري في قضايا عدة لا سيّما في الموضوع الفلسطيني. وبسبب الضغوطات الاقتصادية على مصر وبالتالي افتقادها إلى النفوذ الاقتصادي الذي يخوّلها خوض المواجهة منفردة، لا تستطيع الأخيرة التصعيد دون دعم اقتصاديّ عربيّ لا سيّما من المملكة العربية السعودية. فمع الدعم العربي الخليجي، وتحديداً من المملكة بفعل القوة التي يمكن أن تشكّلها الدولتين إذا ما اتحدا، تستطيع مصر أن تهدد بشكل جديّ في إلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل المعروفة باتفاقية "كامب ديفيد". إن التلويح بإلغاء الاتفاقية وإدراك كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لإمكانية مصر بتطبيق تهديدها بالفعل، من شأنه أن يهدّد ليس فقط المصالح الاقتصادية والسياسية لهما، بل أيضاً الاستقرار الأمني الإسرائيلي ذلك أن هذا التهديد إن حدث من شأنه أن يبطل كل مفاعيل اتفاقيات السلام العربية الأخرى.
على الأثر، ستعطي هذه الخطوة بطريقة غير مباشرة شرعية إضافية لكل حركات المقاومة في المنطقة ضد إسرائيل وستعيد ترسيخ الوعي العربي حول ضرورة المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي الذي يهدد كل بيت عربيّ. بهذا، وإن اختلفت كل من مصر والسعودية مع عقيدة ومسار حركات المقاومة، فإن أي دعم إعلامي أو سياسي، مباشر أو غير مباشر عبر عدم الهجوم عليها علنا أو التصريح بعدم القدرة على الحدّ من تأثيرها بفعل فشل المسار السياسي، من شأنه أن يشكّل خط دفاع أولي عن استقرار الدول والأنظمة العربية أولها مصر والسعودية.
ثانيا، وبالتوازي مع الحراك المصري السياسي، تستطيع السعودية التلويح جديّاً بوقف الدعم المالي المستمرْ والمباشر الذي تقدّمه للولايات المتحدة الأميركية وآخرها مطلب ٦٠٠ مليار دولار. هذا الدعم وغيره تحتاجه الإدارة الأميركية لمعالجة المشاكل الاقتصادية الداخلية الكثيرة التي تعاني منها.
ثالثا، تشديد الإجراءات في صادرات النفط والتضييق على الامتيازات المعطاة للاستثمارات الأجنبية.
في الختام، قد لا يعجب القادة العرب من الفلسطينيين، لكنهم لا يستطيعون الاستمرار في التعاطي الخجول الذي شهده العالم خلال الحرب على غزة. ولا يمكن لها أيضاً أن تتبع مساراً حيادياً هو مستحيلاً، ذلك أن حلّ القضية الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية حسب خطة السلام لبيروت عام ٢٠٠٢ ووقف المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين وإنهاء الاستيطان ومشروع التهجير، كل ذلك يصبّ بالدرجة الأولى لمصلحة استمرار هذه الأنظمة واستقرارها وبالتالي استقرار المنطقة. العين على القمة في مصر، وتحديداً على موقف السعودية قولاً وفعلاً في هذا الإطار.

تقدير موقف
نناقش القضايا السياسية الرئيسية على المستويين المحلي والدولي، من تحليل السياسات الحكومية إلى القضايا الجيوسياسية والعلاقات الدولية. نقدم تغطية متعمقة للأحداث والتطورات السياسية، مع دراسات وتحليلات تسلط الضوء على التحديات والفرص في المشهد السياسي المعاصر.
عرض جميع المدونات >
0 التعليقات
اترك ردًا
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *