تعدّ مرحلة الخمسينيات الانطلاقة الأولى للحركة الطالبية في لبنان، حيث شكل دعم التعليم الرسمي ومؤسسات التعليم العالي عصب التحركات وأساس كل مطلب. ففي 23 كانون الثاني في العام 1951، نفذّّ طلاب جامعة القديس يوسف إضراباً، ضمن سلسلة تحركات طلابية واسعة، طالبت بإنشاء جامعة وطنية لبنانية. وفي 5 شباط اجتمع مجلس الوزراء وأصدر مقررات أبرزها إنشاء "جامعة لبنانية في قصر اليونيسكو ترصد لها الاعتمادات اللازمة وتتولى تدريس الحقوق، الهندسة، العلوم السياسية، العلوم الرياضية، الآداب العالية والأبحاث الطبية، أما فرعا الطب والصيدلة فتساهم الحكومة بتعليمهما بمنح داخلية وخارجية".
وبعد مناقشات في مجلس النواب صدر المرسوم رقم 6267 في تاريخ 20 تشرين الأول 1951 وقضى بإنشاء معهد عال يطلق عليه اسم «دار المعلمين العليا». وفي 6 شباط في العام 1953، أصدرت المراسيم الاشتراعية التي تأسست بموجبها الجامعة اللبنانية بصورة رسمية، حتى العام 1959 حيث صدرت مراسيم إنشاء الكليات الموجودة في الوقت الحالي وأولها كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
ومهّد إنشاء الجامعة اللبنانية الطريق أمام بروز حركة طلابية قوية ومناهضة في الستينيات، إذ لعبت الجامعة دورا أساسيا في تكوين وتفعيل دور الحركة الطلابية والهيئة التعليمية في القطاع الرسمي والجامعة اللبنانية، فأضحت هي العنصر الحاسم في أي تحرك طلابي. فكيف بدأ الحراك الطلابي؟
على الرغم من إنشاء الجامعة اللبنانية، اتبعت الدولة سياسة «عدم المبالاة» تجاه التعليم الرسمي بشكل عام، وتجاه الجامعة اللبنانية بشكل خاص، الأمر الذي دفع طلاب وأساتذة الجامعة في العامين 1967 و1968 إلى تنفيذ سلسلة من الإضرابات نجحوا خلالها في تحقيق مطالب عدة، منها تأمين مشاركة الأساتذة والطلاب في إدارة الجامعة، وتسيير الإدارة ذاتيا عن طريق المجالس التنفيذية، بالإضافة إلى تحقيق استقلالها المالي والإداري تحت إشراف المجالس مما يمنع تدخل السلطة، ويحقق حرية الرأي والنشر وحق تشكيل الأدوات النقابية.
الطلاب، لم يتوقفوا عند هذا الحد، إذ استكملوا إضراباتهم وتظاهراتهم في العام 1970، فأرغموا الدولة على إصدار قرارات تتعلق بنظام المنح للمتفوقين والمحتاجين، وإيفاد الطلاب المتفوقين للتخصص في الخارج في مختلف الاختصاصات العلمية، بالإضافة إلى إصدار قانون التفرغ للأساتذة. وبدأت مراسيم الكليات التطبيقية بالظهور، وتم بناء كلية العلوم في الحدث كخطوة أولية نحو بناء المدينة الجامعية، فضلا عن وضع خطة لبناء كلية الآداب وعدد آخر من الكليات.
وفي العام 1970 كانت أول تظاهرة حاشدة هتف من خلالها الطلاب لـ22 مطلبا عرفت باسم «شرعة 22»، أبرزها الكليات التطبيقية، البناء الجامعي، مشكلة المتخرجين، المشاركة، بالإضافة إلى مطالب تتعلق بأوضاع ونواقص الجامعة الداخلية. هكذا، فرضت «شرعة 22» نفسها معادلة صعبة على الوزراء المتعاقبين، الذين لم يستطيعوا أن يقفوا في وجه إصرار الطلاب على تحقيق مطالبهم.
الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية
إنه العام 1971، عام تشكيل الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية. بعد إصدار القرار، تحت ضغط التحركات الطالبية، تم انتخاب أول لجنة تنفيذية للاتحاد برئاسة عصام خليفة، بعدما تم وضع الصيغة الداخلية لعمل طلاب الجامعة اللبنانية وهو النظام الداخلي للاتحاد، وفاز فيها تحالف اليمين على اليسار، قبل أن يتبادل الطرفان الربح والخسارة في السنوات اللاحقة. وهو ما دل على وحدة الحركة النقابية الطالبية، إذ كان الصراع يتمحور بين القوى على البرامج ولم يكن صراعا أو خلافا طائفيا.
هذا الجو النقابي فرض نفسه على آلية العمل، إذ كان يجري الالتزام من كافة الأطراف بقرارات اللجنة رغم الخلافات السائدة، وهي القاعدة التي ارتكز عليها الصراع بين اليمين واليسار وغيرهما من المجموعات الطالبية.
بعد الانتخابات الطالبية في العام 1974، عدّل الاتحاد من خطة عمله من خلال تحديد عدد من الخطوات لتحقيق الأهداف، وهي: إلغاء الإضراب المفتوح للطلاب بعد التنبه إلى أن الإضراب قد يحد من فاعلية التظاهرات، تنظيم تظاهرات (تضم كل من الجامعة اللبنانية، الأميركية، العربية، واليسوعية، بالإضافة إلى بعض المدارس والجامعات) حاشدة إلى مجلس النواب عند كل جلسة، تصعيد الإضراب والتوجه إلى وزارة التربية، و«احتلالها». لم تستجب السلطة للمطالب الطلاب، إذ تم قمع التظاهرات، وعمدت القوى الأمنية إلى تشتيتها. وأعاد الطلاب المحاولة، وهذه المرة، انطلقت التظاهرات من الجامعة الأميركية نحو وزارة التربية، كذلك تخللت التحرك أعمال عنف وتكسير في وجه إصرار السلطة على القمع وتجاهل المطالب.
ومع استمرار الضغط الكبير الذي مارسته الحركة الطلابية، أصدر مجلس الوزراء في ذلك العام (1974) مرسوما ببعض المطالب منها إنشاء كلية هندسة وكلية زراعية، بالإضافة إلى رصد مبلغ من المال لإنشاء البناء الجامعي - كلية التربية، كلية الآداب - والضمان الصحي. أما في العام 1975، فكانت آخر انتخابات للاتحاد قبل اندلاع الحرب الأهلية.
.
برنامج الحركة الطالبية
ساهم وجود الاتحاد في بلورة و«مأسسة» برامج ومطالب الحركة الطالبية، إذ استكملت الحركة ما بدأته في الستينيات، وارتكز برنامجها على مطلب «ديموقراطية التعليم». وكان الهدف الأساسي لهذه المطالب، في ظل غياب سياسة تعليمية للدولة، هو دعم وتطوير التعليم الرسمي وتوسيعه ليتناسب مع المتطلبات والحاجات، مثل إنشاء الكليات التطبيقية، واستكمال البناء الجامعي الموحد لمختلف الكليات، وتأمين المساكن الطلابية، وإنشاء تعاونيات استهلاكية وتوسيع الملاك التعليمي المتفرغ، وإصدار شروط الدخول إلى الملاك في الكليات والمعاهد، وإلغاء مباراة الدخول إلى الجامعة، وتطبيق الضمان الصحي، زيادة المنح الوطنية، وإنشاء المختبرات والمكتبات، بالإضافة إلى مطالب خاصة لكل كلية، ومطالب لقطاع التعليم المدرسي (الثانوي، المتوسط، الابتدائي). ولم يتوقف النضال الطلابي عند هذا الحد، إذ شهد العام 1971، حراكا طلابيا اعتبر الأقوى في تاريخ النضال الطلابي. ففي هذا العام، تصدرت أخبار الاتحاد الصحف، إذ أقدم نحو 10 آلاف طالب على قطع طريق المطار ساعة، واشتبكوا مع رجال الأمن ما أدى إلى سقوط 40 جريحا. كما قام الطلاب بالسيطرة على كل مباني الكليات في الجامعة اللبنانية التي بلغ عددها آنذاك 5 كليات والمعاهد التي بلغ عددها 3 فيما عقد مجلس الجامعة أول اجتماع بمشاركة 6 طلاب، وتم تشكيل لجنة من الطلاب والأساتذة لتحضير مشروع قانون معجل في غضون 24 ساعة يقضي بتعديل نظام الجامعة اللبنانية، بغية إشراك الطلاب في مجالس الكليات والمعاهد وفي مجلس إدارة الجامعة هذا التحرك كان يهدف وغيره من التحركات إلى الإصرار على تحقيق مطالب الطلاب، وأبرزها رفع مستوى التعليم الجامعي في لبنان والدفاع عن حقوق الطلاب.
من هنا، وبعد النجاحات التي حققتها القطاعات الطلابية، أقام الطلاب استفتاء واسعا أقرّ صيغة التمثيل النقابي المنتخب ديموقراطيا، تبعها انتزاع حق تأسيس الروابط والاتحادات الطالبية في الجامعات الخاصة والأجنبية وهي: مجلس الطلبة في الجامعة الأميركية، اتحاد الطلاب في الجامعة اليسوعية، اتحاد طلاب جامعة بيروت العربية، والحكومة الطلابية في كلية بيروت الجامعية. وعلى الأثر، ازداد التنسيق بين الاتحاد الوطني والاتحادات والروابط الأخرى، وتوسع التمثيل الطلابي إذ بلغ عدد الاتحادات والروابط الطالبية في مختلف القطاعات في العام 1974 أكثر من 50 اتحادا ورابطة.
الطلاب والتحركات المطلبية والشعبية
لم يكن طلاب اللبنانية والقطاع الرسمي هم الوحيدين في الميدان، بل جمعت المطالب جميع فئات المجتمع والقطاعات. ففي شباط 1971، نفذ طلاب الجامعة اللبنانية إضرابا عاما استمر أكثر من شهر بدعوة من الاتحاد، فتضامن معهم اتحاد طلاب الجامعة اليسوعية بإعلانهم الإضراب العام المفتوح. وللجامعة الأميركية أيضا دور بارز في الحركة الطلابية. ففي العام نفسه، نفذ طلاب الجامعة إضرابا طويلا احتجاجا على زيادة الأقساط أدى إلى حدوث اشتباكات بين القوى الأمنية والمتظاهرين. أما في العام 1974، فقد شهدت الجامعة الأميركية تطورا أمنيا لافتا، إذ اقتحمت القوى الأمنية حرمها واعتقلت عددا من الطلاب الذين شاركوا في الإضرابات والاعتصامات التي دعا إليها اتحاد الطلبة في الجامعة. فما كان من الاتحادات والروابط إلا أن أعلنت تضامنها مع تحرك الجامعة الأميركية.
أيضا، شهدت تلك الفترة احتجاجات لطلاب المدارس تضامنا مع الجامعة الأميركية، فردت القوى الأمنية بقمع الطلاب وضربهم واعتقالهم والاشتباك مع الأساتذة، ما أنتج تظاهرات عدة في كل من اليونيسكو والكولا. وفي 10 آذار، قمعت الدولة تظاهرة طلابية ما أدى إلى سقوط جرحى.
واستمر الاتحاد في الإضراب، وصعّد من تحركه من أجل الضغط أكثر حتى تحقيق المطالب، فما كان من هذا التصعيد إلا أن أثمر نتائجه، إذ أرغمت لجنة التربية النيابية آنذاك برئاسة جورج سعادة على عقد جلسة في 26 آذار من العام 1971 لمناقشة ودرس مطالب الجامعة اللبنانية.
وقد يصلح إطلاق تسمية «عام الغضب» على العام 1972، إذ لعبت الحركة الطلابية دورا رئيسيا في التحركات الشعبية اللبنانية، وبالعلاقة مع النهوض الديموقراطي الشعبي العام، فشكلت طليعة التحركات العمالية والشعبية وتضامنت مع قضاياها في وقت واحد، حتى في الموقف من قانون الإيجارات وفي مواجهة القمع.
ففي العام 1972، دعت «اللجنة الطالبية لاستمرار المعادلات» إلى التظاهرات، حيث نظم طلاب الجامعة اللبنانية نحو 20 تظاهرة طيارة في يوم واحد. أما في «يوم الغضب في الجامعات» في 6 نيسان، فقد اشتبك طلاب الأميركية مع قوات الأمن لمدة 6 ساعات متواصلة، وقطع طلاب الجامعة العربية الطريق أمام كلية التربية فرمتهم القوى الأمنية بقنابل الغاز. كما قطع طلاب الحقوق في اللبنانية واليسوعية طرق عدة.
العام 1974: بداية تشقق الاتحاد
بعد فوز تحالف اليمين في انتخابات العام 1974، بدأت الخلافات تتسلل إلى الاتحاد. فقد هاجمت القوى الديموقراطية في بيانات ما اعتبرته ممارسات اللجنة التنفيذية للاتحاد، ونظمت تحركات قاعدية وهاجمت القيادة الجديدة وإزاء عدم اتخاذ مواقف واضحة وحاسمة تجاه عدد من القضايا الشعبية والمطلبية، مثل صرف المنح عن الطلاب في الخارج، وعدم المشاركة والتضامن مع النضال الشعبي والعمالي، وعدم اتخاذ أي موقف أو المشاركة في الإضراب ضد قانون الإيجارات.
واتخذت هذه الخلافات أشكالا عدة، لم تصل إلى مرتبة تهديد الاتحاد، إذ إنها كانت تنضوي تحت ما نص عليه نظام الاتحاد الوطني، لجهة عقد مؤتمرين للاتحاد، أحدهما للمحاسبة، والآخر لإجراء انتخابات جديدة في كل سنة جامعية.
وفيما كانت اللجنة التنفيذية الجديدة بقيادة اليسار بعد انتخابات العام 1975 تستعد لبدء تنفيذ مشروعها اندلعت الحرب الأهلية، فبدأ الانقسام الطائفي يتسلل إلى مختلف القطاعات والمؤسسات لا سيما الجامعة اللبنانية، وقضى على وحدة الحركة الطالبية اللبنانية من خلال الانقسام والتشرذم الذي أصاب أداتها النقابية.
من هنا، أثرت الحرب الأهلية بشكل كبير على قطاع التعليم، وهو ما اعتبر ضربة قاسية للحركة الطلابية. هذا الواقع، ساهم في القضاء على الجامعة اللبنانية ودورها الريادي الذي لعبته في السبعينيات. ففي العام 1977، أصدر مجلس الوزراء المرسوم رقم 122 الذي أدخل تعديلات أساسية على هيكلية الجامعة وقلص من صلاحيات مجلس الجامعة وفرّع الكليات، كما صدر المرسوم رقم 115 الذي كرّس عمليا حل الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، وحدّ من صلاحياته ودوره في مجلس الجامعة، ما أثر على الحياة الديموقراطية التي عرفتها الجامعة.
ثم لم يلبث أن تسلل الفرز الطائفي الذي أنتجته الحرب إلى صفوف الحركة الطلابية حتى تجذر فيها، حيث شارك عدد من قيادييها في الحرب الأهلية تحت شعارات حزبية وطائفية. أما في ما يخص قضية التفريع، فقد أصبح عدد فروع الجامعة اللبنانية 48 فرعا في مختلف أنحاء لبنان. من هنا، أصبح لكل طائفة قواها الطلابية التي بسطت سيطرتها على فروع الجامعة كل تبعا للمنطقة التي يتواجد فيها الفرع. وكنتيجة طبيعية لسقوط الحاضن الرئيسي لقضايا الطلاب، ضعفت الحركة الطلابية في الجامعات الخاصة أيضا.
من هنا، عانى القطاع التعليمي في الثمانينيات من ضربات متتالية مثل انهيار مستوى الشهادة الرسمية وتراجع القدرة المعيشية عند المعلمين، وسيطرة الطوائف على إدارة الجامعة اللبنانية. وتراجعت موازنة الجامعة وتوقفت المنح عن الطلاب المتفوقين والمعوزين، وتوقف الضمان الصحي، ونهبت المكتبات والمختبرات، وتوقفت الحياة الديموقراطية. وبعد اتفاق الطائف، استمر ضعف الحركة الطلابية التي سقطت رهينة الانقسام الطائفي المختبئ تحت ستار السلم الأهلي المزعوم

تمكين الشباب
نركز على دعم الشباب كقوة دافعة للمستقبل من خلال التعليم، التدريب، ريادة الأعمال، وتطوير المهارات.
عرض جميع المدونات >
0 التعليقات
اترك ردًا
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *