في عمر الواحد والعشرين، قرّرت الشابة جهينة الحريري السفر من لبنان والعمل مع العائلة في مجال المقاولات في أربيل، إقليم كردستان العراق. بين صعوبة الغربة والإصرار على الطموح، سبع سنوات من العمل توجّت في افتتاح مشروع خاص فيها. في اليوم العالمي للمرأةوشهر المرأة، خصّصت “دياليكتيك”، إنطلاقا من إيمانها بالشباب وتمكينهم، مقابلة مع هذه الشابة التي تمثّل نموذجا لكلّ شاب وشابة.

لماذا قررت السفر من لبنان؟

بعد تخرّجي من الجامعة في لبنان، وجدت في الظروف الأمنية والإقتصادية الصعبة التي كانت تمرّ بها البلاد عاملا يحدّ من فرص العمل وإمكانية التطوّر. وبالطبع، وجود عمل العائلة في أربيل أي ما يعرف بال “فاميلي بيزنس” كان عاملا مساعدا ومسهّلا لي للانتقال إلى أربيل والعمل مع والدي وإخواني.

ما هي الصعوبات التي واجهتها كشابة متخرجة حديثا في أربيل؟

خلال كلّ تلك السنوات، واجهت صعوبات كثيرة وتحدّيات أكبر. من فتاة مدلّلة في منزلها، وجدت نفسي مسؤولة بشكل تام عن كلّ شيء. وإلى جانب عامل البعد عن أمي ووبقية إخوتي والأصحاب والبلد الذي تربّيت فيه، وجدت نفسي أعمل في مجتمع ذكوريّ بامتياز كسائر مجتمعات بلداننا العربيّة. كنت أواجه صعوبة خاصة في طبيعة العمل الذي اخترته، أي البناء والمقاولات، في أن نثبت أننا كإناث نستطيع أن ننجح وأن نبرز وأن نتقدّم في العمل. شكّل هذا الأمر بالنسبة لي تحدّيا كبيرا، أردت أن أقول أنّ المرأة أو الفتاة التي تعلّمت وعملت على تطوير ثقافتها وتعبت في عملها تستطيع أن تنجح في مجالها وأن تكون فاعلة في مجتمعها كسائر أيّ رجل. من هنا، كنت أعمل بجهد مضاعف لكي أنجح في عالم المقاولات الذي كان جديدا بالنسبة لي، ونجحت بعد سنوات عدّة في مهامي، وبدأت تكبر أحلامي وهنا راودتني فكرة افتتاح “بوتيك جهينة”.

لماذا جهينة بوتيك؟ وكيف أتت الفكرة؟

راودتني فكرة البوتيك بالصدفة وبطريقة طريفة نوعا ما. في مشروع العائلة كنت أعمل في قسم المبيعات. كنت أهتم بالزبائن الذين يريدون شراء شقة أو عقار، فكنت أتابع معهم بكلّ التفاصيل من فهم شخصيتهم إلى الاهتمام بطلباتهم وإتمام العقود. لفتني أنه كان من بين الزبائن الذين يأتون إلينا عدد من التجّار الذي كانوا يبحثون عن محال تجارية في المشروع عندنا. راودتني فكرة العمل الخاص إلى جانب عملي في الشركة فجأة ولم أكن أفكّر حينها بخطوة كهذه. ولأنني أعشق عالم الأزياء والموضة، راودتني فكرة البوتيك وكان أكبر تحدّ لي في حياتي إن لجهة العمل الخاص في عمر مبكر أم لجهة طبيعة المشروع وهي بعيدة كل البعد عن المحيط الذي نشأت فيه. لكن اتخذت قراري بالمحاولة خصوصا أنني بدأت أنجح في عالم التسويق والمبيعات في عملي في الشركة.

ما الصعوبات التي واجهتك في سوق العمل؟

في البداية أحببت فكرة التجارة في البوتيك بالصناعات اليدوية إن كانت قطعة للمنزل أو أكسسوار وحتى الثياب. فكنت أختار البضائع بعناية، حيث لكلّ قطعة مهما كانت طبيعتها، قصّة أو رسالة. على سبيل المثال أسوارة ترمز إلى شي أو قصّة معيّنة، عباءة تكون من منطقة لها دلالة معيّنة أو ثياب مطرّزة. رغبت في هذا النوع من التجارة الذي يبرز حضارة وثقافة البلدان التي تصنّع فيها إلا أنني وجدت أن القسم الأكبر من الناس هنا لا تهتمّ بهذه الأمور ولا تجذبها. بل على العكس كانوا بنفرون منها ويبحثون عن البضائع التجارية والإستهلاكية البحتة.

الصعوبة الثانية كانت في منافسة المحال التركية التي تغزو أسواق أربيل بشكل كاسح. هنا وجدت نفسي في صراع بين الاستمرار في النمط الذي أحبّه أو تغيير طبيعة البضائع حسب طلب الزبائن، فكان الخيار الثاني كي يتسنّى لي الاستمرار والنجاح  على الرغم من أنني ما زلت أحب تجارة الصناعة اليدوية والحرفية إذ أنها تشكّل فنّا في حدّ ذاته وتحتاج إلى ذوق رفيع وتساهم في التعرّف على حضارات مختلفة لبلدن مختلفة.

ما هو طموحك في جهينة بوتيك؟

استطعت أن أبني شبكة من العملاء الذين يشكّل بوتيك جهينة بالنسبة إليهم وجهة دائمة. بالطبع أطمح لإنجاح البوتيك أكثر من خلال التوسّع أكثر وأن أبني لنفسي إسما معروفا في هذا المجال. في هذا الإطار، أطمح لكي يكون لي ماركة باسمي وتصاميم خاصة باسمي، جهينة، وأن أوسّع مروحة الزبائن وصولا إلى التعامل مع المشاهير ليس فقط هنا بل في العالم العربي وربما العالم.

 ما زلت في خطواتي الأولى، لكن طموحي كبير جدّا وأنا أتمنى العمل عليه وتحقيقه بعد إثبات نفسي أكثر في السوق المحلّي، وكلّ ذلك بالاعتماد على نفسي والتعلّم من الصعوبات والتحديات التي أواجهها

ما الذي تغير في حياة جهينة من سبع سنوات حتى الان؟

الذي تغير في حياتي من سبع سنوات حتى اليوم هي شخصيتي، بحيث نضجت أكثر وأصبحت أقوى بكثير ممّا كنت عليه. المجتمع الذكوري جعل من شخصيتي أقوى لكي أثبت نفسي، وجعل من حضوري أقوى، وأصبحت قادرة على مواجهة كل ما يمكن أن يعرقلني. علّتمني التجربة كثيرا، وواجهت أمورا كثيرة، ورغم إحاطة العائلة بي معنويّا يبقى أن الغربة ما تزال صعبة. تغيّرت حياتي كثيرا، لكن الحمد الله نحو الأفضل. فالخبرات التي اكتبستها هنا كنت بحاجة لسنوات كثيرة حتى أكتسبها في بلدي الأم. تعبت كثيرا وقست الأيام عليّ أيضا، لكنني أشعر بالارتياح الآن خاصة وأنني أصبحت معتادة على البلد وأحببتها وتأقملت مع المجتمع هنا واندمجت فيه. في مرحلة معيّنة كنت أقترب من الاستسلام لكن طبيعتي ترفض الفشل وترفض الضعف ولا ترى إلا النجاح، فكان خيار البوتيك والاستمرار فيه لإنجاحه هو بمثابة تحدّ لنفسي قبل كل شيء. وكلّ ذلك ساهم بأن أخطو الخطوة الأولى نحو تحقيق حلمي الذي بدأ صغيرا، ونجاحي هنا سيمكّنني من تحقيق حلم النجاح في بلدي لبنان أيضا من خلال عملي الخاص. لو لم آتي إلى هنا ولو لم أمرّ بكل تلك التحديات كفتاة في الغربة رغم محبتي اليوم لأربيل ولشعبها ربما لما كنت وصلت لما أنا عليه اليوم على المستوى الشخصي كما العملي، وإن شاء الله بالمثابرة والطموح والخطوات المدروسة أحقّق كلّ أحلامي.

بماذا تتوجهين، كشابة، للشباب في لبنان وفي أربيل؟

أقول لهم أنه كلّما آمن المرء بقدراته وبأحلامه وبطموحه، كلّما كان لديه القدرة على مواجهة أي صعوبة تعترضه على كلّ المستويات. عليهم أن يحبّوا ما يعملون به حتى ينجحوا، لأن ذلك يتطلّب التضحية والجهد والمثابرة والصبر والبدء خطوة خطوة والتعلّم من الأخطاء. بنظري، إن كلّ نجاح يتحقق دون هذه الصفات قابل للسقوط في أي لحظة، وكل سقوط أو فشل هو درس للنجاح لاحقا إذا ما وجدت هذه العوامل.

أجرت الحوار: ساري لبابيدي- دياليكتيك-

Pin It on Pinterest

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

Dialectic Institution will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.