لم يكن الطلب الذي وصلني من صديقتي الباحثة وأستاذة الجامعة حياة الحريري بالغريب ولا الوقت المخصص الذي حددته لكتابة “مقال” لمنصتها الجديدة –وقد كان ضيقا- بالغريب أيضا. فهي التي اعتدنا منها المغامرة المعرفية والإقدام عليها بكل شغف، حتى لا أقول جنونا.

ولم يكن موقفي غريبا هو الآخر، أنا التي اعتدت التروي والبحث في أدق التفاصيل ذلك أنني اختبرت عن قرب صدقية الإنسانة والباحثة في التغيير نحو الأفضل وفي المبادرة بالتغيير و”جرنا” إليه جرا حتى وإن تلاقت كل ظروف الإحباط الناتج لا عن معاينة فحسب، بل إن القرائن والأدلة المعرفية تؤكده أيضا.

وطبعا لن يكون أول مقال “علميا” أو أنه يخضع لأية معايير غير تلك المتعلقة بالمبادرة في حد ذاتها والتساؤلات النابعة من أعمال بحثية منجزة في المجال وقد كان لي شرف المشاركة في بعضها، وكذلك لمعايير الاندفاع المعرفي حتى وإن أخطأنا.

“أريد العمل منسجما وشعار الأمم المتحدة للعام 2019 لليوم العالمي للمرأة “نطمح للمساواة، نبني بذكاء، نبدع من أجل التغيير، قالت محدثتي. وأضافت “اخترت لذلك منصة معرفية تحمل اسم “دياليكتيك” وقد قمت بتسجيلها بلبنان، تتطرق من منظور أكاديمي إلى الإعلام عامة، وإلى دوره في تحقيق مسائل ذات أولوية لمجتمع يحترم الأجيال المقبلة كالتعليم ومقاومة التلوث وتعزيز المساواة بين الجنسين والمهجرين والفقر…” وطبعا تطول قائمة الأولويات بتعدد هموم شعوبنا وتحديات دولنا.

من أين سأبدأ في مراوحة صعبة بين الانطباعي الذي يفرضه تحمسي للفكرة وبين الأكاديمي المطلوب الذي لم يتسع الوقت لإعداده؟ وإذا ما نجحت، ألن يكون المقال هجينا؟ وإن كان، هل لي أن أعول على تفهم قارئ/ة مرت من هنا؟ وسأستنجد للغرض بأحد مبادئ المعرفة الدقيقة لإدقار موران والمتمثل في الجمع بين معرفة الأجزاء ومعرفة الكل لمواجهة تعقيدات التحديات التي يفرضها عصرنا. “فالتعليم الذي تلقيناه علمنا التجزئة، عزل المعارف بعضها عن بعض مما يؤدي إلى لعبة تركيبية غير واضحة ومنعدمة المعالم”[1]

عن الإعلام “وأدواره الجديدة” سأتحدث. فلطالما عدد لنا أساتذتنا أدوارا التقفناها لنمررها بدورنا إلى طلبتنا، لأطرح على نفسي وعليكم سؤالا : هل من الممكن أن نكتفي اليوم بالقول إن دور الإعلام هو الإخبار والتثقيف والترفيه فحسب؟ وبديهي أن نسارع بالإجابة إما بنعم حماية للتعريف النبيل لمهنة نبيلة أو بلا مستندين لكل التحولات التي عرفها القطاع إنتاجا ومضمونا وشكلا وانتشارا وتطورا تكنولوجيا وتمويلا وتداخلا في ما بين أنواعه ومحامله والفاعلين فيه وحتى جماهيره، أو بلا نظرا لما نراه اليوم من مناقشة الشأن العام والخاص في وسائل إعلامنا وصلت إلى تمظهرات تصنف لدى البعض بالهدامة ولدى البعض الآخر بالمقرفة الزائلة لا محالة.

لا تبدو المسألة بتلك البساطة، ولا يمكن بالتالي الحسم فيها، ولعل في تقديم بعض الأفكار تأسيس لمقال أكاديمي بأتم معنى الكلمة، ينشر في هذا الفضاء لاحقا.

تغير المشهد الإعلامي عدديا ومحامل وقدم له التطور التكنولوجي خدمة الانتشار والتنافس. فجل البلدان العربية لم تفتح مجالاتها الفضائية إلا حديثا، ولم تسمح بتعدد قنواتها الخاصة داخليا إلا على مضض وحتى أن بعضها يحجر اليوم استخدام بعض منظومات منصات التواصل الاجتماعي داخل أراضيها. ومهما تكن الأسباب، لم يدرك القائمون على السياسات الإعلامية و”الرقابية”، أن محاولة الإمساك بزمام الأمور، لهي نوع من أنواع العبثية في ظل تطورلحظي/آني لتكنولوجيات المعلومات والاتصال من ناحية وفي مواجهة شعوب شابة تتجاوز معارفها في هذا المجال تحديدا معارف الأجيال التي سبقتها بسنوات ضوئية.”فالأطفال الذين يكبرون على الإنترنت، فلا يمكنهم تصوُّر الحياة بدونها. لقد حولت التقنية الرقمية العالم الذي نعيش فيه – حيث صدّعت صناعات بأكملها وغيّرت المشهد الاجتماعي. والطفولة ليست استثناءً. واحد من كل ثلاثة مستخدمين للإنترنت في جميع أنحاء العالم هو طفل، والشباب هم الآن الأكثر وصولاً للإنترنت من بين كل الفئات العمرية”[2]

وتحيل هذه الحقائق إلى معطى من الأهمية بمكان وهي التداخل الذي نلاحظه اليوم فيما بين الصحافة/ الإعلام بمحامله التقليدية وتلك الحديثة التي ما فتئت تتسارع يوما بعد يوم والتجزئة التي عرفها جمهور الإعلام. فلا هو جمهور متجانس ولا هو بالوفي. تقبله انتقائي في أغلب الحالات أو أنه مساير لما تتلقفه شبكات التواصل الاجتماعي من مضامين الإعلام التقليدي ليؤولها حسب الميولات والتوجهات، وأحيانا اللحظة النفسية التي تلقى خلالها مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي مضمونا إعلاميا صدر في التلفزة أو الراديو أو الصحيفة. فيساهم المستخدمون عن وعي أو دونه في صياغة المعنى وتشويهه أحيانا.

ويطرح هذا المعطى الجديد تحديات كبيرة على الإعلام التقليدي، لعل أهمها الوصول إلى هذه الفئة بالمحامل الحديثة التي تستخدمها بمعايير الإعلام التقليدي وأسسه وقيمه من ناحية وعدم التأثر بمقتضياته من ناحية أخرى. فإلى أي مدى يمكن أن ينجح في التكيف مع متطلبات المرحلة والمراحل اللاحقة والتي تنبئ، أكثر من أي وقت مضى، باندثاره. ففي ورقة سياسات نشرتها الحكومة البريطانية على موقعها الرسمي بعنوان “من أجل استدامة الصحافة”[3]تمت معالجة التحديات أمام “الصحافة النوعية/ ذات الجودة” بالمملكة أمام تنامي استهلاك الأخبار في شبكات التواصل الاجتماعي. كما تناولت الورقة النتائج الوخيمة لشبكات التواصل الاجتماعي على صناعة الأخبار وخاصّة غوغل وفيسبوك. واستأنست الورقة التي قام بإعدادها خبراء مستقلون بأرقام حديثة للتدليل على أزمة الصحافة بالمملكة.  فمبيعات الصحف تراجعت بأكثر من النصف في العشرية الأخيرة، ومداخيل الإشهار بنسبة 96 في المائة، وأيضًا انخفاض عدد الصحفيين من 23 إلى 17 ألف من عام 2007 إلى 2018، إضافة إلى تقهقر عدد قراء الصحافة المحلية فبريطانيّ واحد من عشرة أصبح يشتري صحيفة محلية. وأودرت الورقة أيضا فقدان صحيفة”الغارديان” البريطانية 60 في المائة من قرائها في العشرية الأخيرة.

ولا تعد الصحافة العربية بعيدة عن هذا الواقع، فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعا ملفتا لأكبر الصحف العربية وأعرقها مثل جريدة النهار اللبنانية والصباح التونسية وحتى الأهرام المصرية وإن لم تتوفر لنا بنفس دقة البريطانيين، المعطيات حول أسباب الأزمة وامتداداتها.

كما لا يعد هذا الواقع “المعولم” شأن الآخرين فحسب، بل إن المطلع على آخر تقاريرنا العربية حول نفس الموضوع يرى فيها نفس الاتجاهات. فقد أبرز تقرير 2017  “نظرة على الإعلام العربي: شباب.. محتوى.. إعلام رقمي[4]أن أبرز ميزة للإعلام في السنوات المقبلة، وعلى أقصى تقدير العامين المقبلين، هو تنامي ظاهرة التحول إلى الخيار الرقمي في الإعلام أو »الرقمنة الإعلامية” وذلك مع زيادة استخدام الإنترنت عريضة الحزمة(Broad Band Internet)  في المنطقة العربية وزيادة نسب مشاهدة المحتوى الإعلامي عبر الأجهزة النقالة التي تعرف ازديادا خاصة في صفوف الشباب. الأمر الذي سيفرض على مختلف المتدخلين حتمية التفكير في أساليب تضمن المزاوجة بين المنصّات الرقمية من جهة والصحافة والتلفزيون والإذاعة من جهة أخرى، وتوظيف تلك المنصات في نجاح الإعلام.

قطاع آخر سيشهد نموا، حسب التقرير ويتمثل في “قطاع الإعلام المدفوع”، بمعدل من المنتظر أن يفوق نمو الإنفاق على الإعلانات. فنمو سوق الإعلانات الحالي، بمعدل سنوي مركب نسبته 2.5% في الفترة بين الأعوام 2016 و2018، ينتظر أن تتراوح نسبة نمو وسائل الإعلام المدفوعة حول 3.7% خلال الفترة ذاتها و من المنتظر أن يقود قطاعا التلفزيون والألعاب الرقمية هذا النمو. وهو ما سيفضي بالضرورة إلى انعكاس على المحتوى إن في اتجاه الجودة، أو غلبة الطابع الاستهلاكي لها.

ولهذا الواقع الجديد انعكاسات على وسائل الإعلام التقليدية، تصل حد التبعية والتأثير في سلوكات الصحافي/ة ذاته في التعامل مع المضمون الإعلامي الذي من المفترض أن يخضع إلى معايير غير تلك التي تفرضها، ما يسميه د. الصادق الحمامي، الباحث التونسي في علوم الإعلام والاتصال بالميديا الجديدة. “ولهذه التبعية نتائج خطيرة في مستوى المضمون الذي أصبح خاضعًا لمبدأ “الكليك” مما يدفع الصحف وحتى الصحفيين أنفسهم أحيانًا كثيرة إلى استبطان ثقافة المضمون ذي القابلية للقراءة السهلة والسريعة مما قد يفسر هيمنة المضامين الخبرية ذات القدرة على استثارة القارئ عبر العناوين المثيرة. فلا غرابة أن نجد الصحفيين يقيمون، بضغط في أحيان كثيرة من إدارة التحرير، قيمة المضامين بعدد “الكليك” الذي تحوز عليه مما أدى إلى استبعاد المضامين العميقة خوفًا من تراجع شعبية الموقع ومن التقييمات السلبية للإدارة.”[5]

ولا تتوقف المسألة عند هذا التداخل فحسب، بل إن الفايسبوك نفسه نصب نفسه قائما على الخدمات الإخبارية معلنا بذلك تغييرا كليا في قواعد الإخبار نفسها[6]مؤكدا “رغبته في تقديم محتوى ذي جودة من الإخبار لمستخدميه”، ممكنا وسائل الإعلام التقليدية من خدمة فلاش أنفو، يواكبون بفضل الفايسبوك مدى انتشارها .وهو نوع آخر من أنواع التداخل الذي يفرض علينا قراءة متمعنة وعميقة في تأثيره على الإعلام لا كمحامل، بل كحامل لقيم تحكمها قواعد الدقة والنزاهة والمسؤولية الاجتماعية التي عادة ما لا تكون من أولويات الميديا الجديدة المحكومة بمنطق الانتشار السريع والتفاعل الآني وإعادة إنتاج المعنى أيا كانت الاتجاهات التي تأخذها.

أخذني ما سبق لي صياغته-حتى لا أتورط في وصفه بالمقال- لا شعوريا نحو علاقة الإعلام التقليدي بالميديا الجديدة في محاولة لمساءلة مستقبل الإعلام التقليدي في بلداننا في غياب تقارير وورقات سياسات كالتي نشرتها الحكومة البريطانية في محاولة منها لدق ناقوس الخطر ولاقتراح حلول في ذلك، دون أن ننسى ما وفرته من إمكانية النقاش المعمق في المسألة. نقاش لم يرتقي في بلداننا إلى مستوى اعتبار الناس متلقين مواطنين لا مستهلكين ولا أنه “استهوى” سياسيينا باعتباره أحد ركائز الديمقراطية في أي مجتمع وتكريس القيم فيه. فلا الإعلام منبرهم ولا هو بمنبر الفاعلين الجدد فيه، بقدر ما هو إعلام للناس، يعكس تطلعاتهم ومشاكلهم ومقترحاتهم ويتحمل مسؤولية مناصرة أمهات القضايا والرفع من الذوق العام البصري والمعرفي والجمالي. انتهت مهلة الكتابة عند هذا الحد لنضرب موعدا لاحقا مع مقال علمي بحق يليق بهذا الفضاء.

اعتدال مجبري

“باحثة تونسية ومديرة مركز التديب الإعلامي في “كوثر”

[2]تقرير وضع الأطفال في العالم لعام 2017 : الأطفال في عالم رقمي https://www.unicef.org/arabic/sowc2017/

[3]https://www.gov.uk/government/publications/the-cairncross-review-a-sustainable-future-for-journalism

[4]Arab Social Media Report 2017: Social Media and the Internet of Things; Towards Data-Driven Policymaking in the Arab Worlds:Potential, Limits and Concerns https://www.mbrsg.ae/getattachment/1383b88a-6eb9-476a-bae4-61903688099b/Arab-Social-Media-Report-2017

[5] في أزمة الصحافة التونسية واحتضارها https://ultratunisia.ultrasawt.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%88-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%85%D9%8A/%D9%85%DB%8C%D8%AF%DB%8C%D8%A7/%D8%AA%D8%AD%D9%84%DB%8C%D9%84%D8%A7%D8%AA?fbclid=IwAR1OAawkywM4870gMBYMUeZio3RaXQqv9WFyOJhMl_nhdv_V3C78mPD6Aec

[6]https://www.blogdumoderateur.com/facebook-breaking-news/?fbclid=IwAR3mvRZ7t75OzFI9zW41dPr6Gb_Bb7YTnSWb2gVGpqbHIZVNrboe1iYr-T4

Pin It on Pinterest

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

Dialectic Institution will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.