في الجانب الآخر للانتفاضة: للشباب لغتهم

حياة الحريري
باحثة ومحاضرة جامعية
Dialectic Founder and CEO

منذ بداية الانتفاضة الشعبية في لبنان وحتى هذه اللحظات، لا يمكن لأي لبناني مهما كانت انتماءاته السياسية او العقائدية او الحزبية الا ان يتعاطف ولو بنسبة ضئيلة  مع انتفاضة اللبنانيين. فبمعزل عن الواقعية السياسية والتحليل انطلاقا من عوامل عدة لا يكمن إغفالها في السياسة اللبنانية والتي تبدأ بالجغرافيا السياسية ولا ننتهي بالصراع الإقليمي الدولي القائم حاليا ولبنان احد ساحاته، ربّما تمنّى كلّ واحد منّا سرّا ممن لم يشاركوا بالتظاهرات كلّ على اختلاف أسبابه بأحقّيتها وواقعيّتها، ان يكون مع أولئك الذين نزلوا الى الساحات في اليومين الأوّلين . فالمطالب تختلف بالأسلوب والأجندات، لكنّ في جوهرها لا يستطيع أيّ منا ان يرفضها او ان يكون ببساطة غير معنيّ بها مثل وقف الفساد الذي بات يطال انفاسنا، من تلوّث الى تشويه للطبيعة الى ديون الى طبابة الى فرص عمل الى امن اجتماعيّ واقتصاديّ وغيرها.

وعلينا الاعتراف بشيء من المحاسبة الذاتية، انّ المشهد اللبناني أصاب الجميع بالإرباك، ليس فقط السلطة، بل الأكثرية من اللبنانيين. منذ اللحظة الأولى، أي في ١٧ تشرين الاول، لاحت شعارات “الثورة” في الساحات واطلق الشباب الغاضبون على اختلاف انتماءاتهم لقب الثوّار. الزخم الذي شهدته التظاهرات في الأيام الأولى وضع الجميع في إشكالية: فهل نصدّق هذه الهبّة الجماهيرية الملفتة بشعاراتها ومظاهر الوحدة والتلاحم في الساحات التي جمعت كلّ نقيض في هذا البلد، ام نغلّب الواقعية في القراءة السياسية وفي ربط الاحداث (واللائحة تطول) وبالتالي نكبح أي حماسة او عاطفة للحالة الجماهيرية المستجدة وننتظر لنفهم اكثر مسار الأمور؟ وكما مشروعية المطالب، فإن الفرضية الثانية مشروعة أيضا. فنحن شعب لم يعرف المحاسبة يوما، ونحن شعب أثبتت التجارب أننا لا نقرأ التاريخ جيدا أيضا، ونحن شعب تسقط مطالبنا عند أي خطاب لزعيم او شعار طائفيّ.

تتحكّم في هذه الانتفاضة ثلاثة مكوّنات وهي: المتظاهرون انفسهم الذين نزلوا بصدق للمطالبة بالحقوق الاجتماعية والسياسية، السلطة السياسية في لبنان، والمصالح الخارجية الممثّلة على الأرض بمنظمات وافراد وأحزاب. وتقع المسؤولية الأولى والاكبر على السلطة السياسية الذي كان اداؤها بكلّ ما يحمله من مكابرة واهمال واستخفاف بالمصلحة العامة السبب المباشر في نزول الناس الى الساحات. وهي نفسها أيضا، ما تزال السبب المباشر لعدم ضبط الشارع او عدم وضع حدّ لمظاهر الانفلات التي بدأت تشهدها الشوارع اللبنانية ما يجعل الخوف من الانتقال من حالة مطلبية الى مواجهات بين الناس مشروعا ودقيقا. قبل التظاهرات، كان من الممكن عدم لوم السلطة على سلوكها ليس فقط في هذا العهد بل في كلّ العهود لغياب مفهوم المحاسبة عند الناس، بحيث كانت الانتخابات منذ استقلال لبنان في ١٩٤٣ مرورا بالطائف في ١٩٨٩ الى اليوم اشبه بصناديق استفتاء على شعبية كلّ زعيم او حزب من منطلق مناطقيّ وطائفيّ ومذهبيّ. بعد اندلاع الانتفاضة انقسم الشارع اللبناني بين من يدعو الى استمرار شلّ البلد عبر تسكير الطرقات وبين من يدعو الى حصر التظاهر في الساحات والمرافق الحيوية. كانت السلطة التي لم ينفكّ أهلها واحزابها بإرسال مكاتيب الحبّ والتقدير والوعود بتغيير العقلية السائدة بالحكم امام امتحان كبير وتاريخيّ في انقاذ نفسها وربما انقاذ البلد. الا انه، ومنذ استقالة الحكومة، بات الناس يبحثون عن الدولة التي غابت اكثر  مما كان الوضع عليه قبل الاستقالة. وجاءت الخطابات كما تسريبات اللقاءات من هنا وهناك لتشكّل مادة محفّزة لاستمرار التظاهرات بالشارع. عوضا عن تشكيل حكومة بأسرع وقت ممكن، ها هم انفسهم ما يزالون يبحثون عن صيغة لتقاسم الحصص غير آبهين بتطورات الشارع وليس من عاقل يقتنع ان هذا الغياب او الإهمال هو عن غير قصد. فعلى ماذا يراهنون؟

امّا اللاعب الثاني فهو المجتمع الدوليّ الذي لا شكّ انه يتقن لعبة الإعلام ولعبة مخاطبة الشباب بحرفية لم يعرفها او يتقنها المحور الآخر. فمظاهر الانصهار الوطنيّ والرقيّ في التعبير (مع استثناء الحالات المستفزة والخطيرة التي تبرز بين الحين والأخر) والشعارات والفرح من خلال الموسيقى والنشاطات والنقل التلفزيونيّ المباشر لمحطات كانت تشكو من عجز ماليّ التي ترافق هذه الانتفاضة لا يمكن لها الا ان تكون نتاج سنين من العمل بحرفية صامتة للفريق الاميركيّ ومن يدور في فلكه لإدخال هذا النمط وهذه الثقافة التي بدأت بالانتشار في اكثر من دولة عربية دفعة واحدة بالشكل والمضمون، بدءا من البرامج التلفزيونية الناقدة وإبراز الشخصيات الشبابية وصولا الى التظاهر على الأرض وما رافقها من شعارات. في هذا الاطار، على الجميع الاعتراف ان هذا الفريق أصاب بنجاح جذب الشارع الذي يشكّل الشباب الذين يتوقون الى لغة جديدة واخذه لضفتّه دون التدخّل المباشر اكان سلبيا ام إيجابيا وما صمت الرئيس الاميركيّ والدول الحليفة له الا دليل على ذلك.

انّ ما يحدث اليوم في بلدان عربية يؤشر الى بداية نمط جديد من العمل السياسي في الشرق الأوسط. في لبنان، كلّ شيء بات يترنّح امام الاحتمالات في انتفاضة نجحت بجدارة في تكريس هذا النمط الجديد بطريقة مغرية وراقية وجميلة. وعلى الرغم من كل التشويه والاستغلال والشظايا التي اصابت التظاهرات، لا شكّ انهم تفوّقوا على السلطة في إرغامها على التراجع اكثر من مرة تحت الضغط وفي تكريس احقيّة مطالبهم. امّا اصرارهم على البقاء في الشارع، في ظل عجز وغياب رسميّ غير مبرّر فلا يمكن لأحد القاء اللوم عليهم رغم كلّ ما يترتّب على ذلك من مخاطر امنية واقتصادية.

Pin It on Pinterest