في الأشهر القليلة الماضية، كان مطار رفيق الحريري الدولي نجم الإعلام بشقّيه التقليدي والجديد (أي السوشيال ميديا). فاللبناني بجميع فئاتهم أجمعوا، وتكاد تكون المرة الأولى التي يجمع فيها الشعب اللبناني على شيء، على سوء الخدمات في المطار إن كان لناحية التنظيم أو التقديمات أو المعاملة وغيرها. وكما في كلّ مرة، تصيب شظايا الانتقادات طيران الشرق الأوسط بين الحين والآخر في مواضيع تتعلّق بالخدمات في الرحلات وطريقة التعاطي مع المسافرين.
بالطبع، لا ينكر أحد الواقع السيء للزحمة غير المسبوقة التي شهدها المطار في فصل الصيف وما رافقها من فوضى وتخبط في أحيانا كثيرة في التنظيم لأسباب كثيرة أهمها عدم قدرة المطار على استيعاب هذا العدد الكبير من المسافرين لوجتسيّا. وفي كلّ مرة، كان يتمّ الاعتذار من المسافرين من قبل إدارة المطار أو من قبل وزيرة الداخلية والبلديات ريّا الحسن، وهي سابقة تنمّ عن احترام للمواطنين وعن مسؤولية في ممارسة العمل الوزاري الذي يهدف أولا وأخيرا نظريّا، إلى تأمين المواطنين وخدمتهم بكافة النواحي. وغالبا ما تترافق الإنتقادات والسجالات حول المطار وشركة طيران الشرق الأوسط بمقارنات مع دول أخرى لا سيما الدول الأوروبية.
في كلّ مرة أسافر فيها، لطالما كنت أقارن بين المطارات وبين شركات الطيران من حيث الخدمة والراحة في السفر، ولطالما كنت أنحاز لمطار بيروت على مساحته الصغيرة والزحمة التي نشهدها في مواسم معيّنة وأعتبره من أفضل المطارات في العالم لناحية المعاملة والخدمات. إلا أن من يقرأ حجم أو حدّة الانتقادات التي توجّه لمطار رفيق الحريري الدولي أو حتى لطيران الشرق الأوسط، يعتقد أن رحلته ستكون بمثابة عقاب له. لم أفكّر مرّة في الكتابة عن هذا الموضوع أو عمّا أشاهده في رحلاتي، ولكن شعرت بضرورة مشاركة ما اختبرته في رحلتي الأخيرة، كشهادة مني كمواطنة أو ككلمة حقّ تقال في هذا الموضوع. ولست بصدد الردّ أو الدخول في النقاشات “التويترية” الحادة الدائرة، بل مجرّد رأي أعبّر عنه بكلّ هدوء.
في رحلتي الأخيرة، اضطررت إلى تغيير موعد الرحلة لسبب خاص، إلا أن إحدى شركات الطيران الأوروبية المعروفة جدا والرائجة في أوروبا رفضت تغيير الموعد إلا بعد دفع غرامة مالية تكاد توازي تذكرة السفر، وهذا ما لا يحصل نهائيا مع شركة طيران الشرق الأوسط التي تتعامل بكلّ مهنية واحترام مع زبائنها. عند المغادرة إلى المحطة الثالثة في الرحلة، وأيضا عبر نفس الشركة الأوروبية العريقة وقع إشكال تمثّل بتبديل قامت به الشركة أدّى إلى خسائر مادية ومعنوية دون إعلام المسافرين ومنهم أنا ودون التعويض عنهم، وهذا أيضا لم يحصل أبدا في تاريخ طيران الشرق الاوسط.
أيضا، يعترض كثيرون على أسعار بطاقات السفر المرتفعة لطيران الشرق الأوسط، وهم إن كانوا محقّين نسبيّا، إلا أن الخدمات التي تقدمها الشركة على متن خطوطها الجوية، من حيث المقاعد والرفاهية على سبيل المثال لا الحصر وخاصة في درجة الأعمال، تتميّز بها عن أهم الخطوط الجوية الأجنبية التي توازي أسعار تذاكرها طيراننا الوطنيّ وربّما أكثر في حين لا تقدّم نصف ما يؤمّنه طيران الشرق الأوسط.
لقد اختبر اللبنانيون جميعا وما يزالون دون استثناء الوقوف في الصفوف الطويلة في مطارات الدول الأوروبية، إن كان في الدرجة الإقتصادية أو الدرجة الأولى أو الأعمال، ونراهم يلتزمون دون أي اعتراض أو حتى استياء من الإجراءات المشددة التي تفرضها معظم الدول لا سيما الأوروبية والتي تكاد تكون أحيانا خانقة، من دون إغفال المسافات الطويلة في بعض المطارات للوصول إلى الطائرة. لا بل أكثر، يقومون بالثناء على هذه الإجراءات التي يرون فيها احترام لهيبة الدولة التي يزورونها.
لا شكّ في أن مطار رفيق الحريري الدوليّ شهد في السنوات القليلة الماضية الكثير من الأخطاء التي كان يمكن تفاديها أو الحدّ منها ولو نسبيّا. ولا شكّ في أنه لا يمكن محاسبة الناس على غضبهم المحقّ في أحيان كثيرة، إلا أن قضية المطار تفتح النقاش مجددا على عاملين يختصران معظم المشاكل التي يعاني منها لبنان في كل القطاعات. أولا، غياب الإستراتيجيات في سياسة الحكومات المتعاقبة، وتغليب منطق المحاصصة والنكايات السياسية في العمل الحكومي والتشريعي على حساب العمل الوطني وذلك بسبب طبيعة التركيبة الطائفية في مؤسسات الدولة اللبنانية، والتي جعلت من العمل في الحقل العام أشبه بشركة يتسابق فيها الأحزاب على تحقيق مكاسب خاصة تضمن استمرار سلطتهم بين جمهورهم على أساس خدماتيّ طائفيّ انطلاقا من صيغة الحكم القائمة على مبدأ الديموقراطية التوافقية الذي تمّ اختراعه لإدارة بلادنا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، استشرف الرئيس الشهيد رفيق الحريري منذ تسعينيات القرن الماضي الأزمة التي نعاني منها اليوم في المطار، إلا أن خطته في توسيع المطار قوبلت باعتراضات لها خلفيات سياسية عرقلت المشروع، في حين يجري العمل حاليا الآن على تنفيذ هذه الرؤية بعدما لم يعد من سبيل دون إغفال التسابق على الاستفادة وتحقيق المكاسب وما يتخللها من عرقلة من قبل هذا الفريق أو ذاك في حال غياب المنفعة الشخصية.
ثانيا، أدّت هذه الصيغة إلى فقدان الثقة بين المواطنين والدولة، وبالتالي غياب الإنتماء لمؤسسات الدولة لصالح الأحزاب والزعامات التقليدية وغير التقليدية لضمان الحصول على فتات المكاسب المذهبية والطائفية من أجل الاستمرار في هذا النظام. أزمة المواطنة هذه، والتي لا يتحمّل الناس مسؤوليتها، باستثناء التجديد للطبقة السياسية نفسها على مدى سنوات في الانتخابات التي تمثّل في لبنان استفتاء جماهيريّ بدل ممارسة حقّ المحاسبة حتى للأحزاب التي يؤيّدونها، ساهمت بشكل أساسيّ في تكريس ثقافة الانتقاد التي تكون بغالبها بعيدة عن النقد البنّاء وتحول دون ممارسة حقّ الضغط بهدف التحسين والمعالجة. وما طبيعة النقاشات التي تضجّ بها وسائل التواصل الاجتماعي في أيّ موضوع إلا دليل على ذلك.
تختصر قضية المطار وشركة طيران الشرق الأوسط فشل منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية مترابطة في لبنان. إلا أنه ورغم كلّ المشاكل والثغرات والتقصير، يبقى أن لبنان يتقدّم خدماتيّا في معظم القطاعات على معظم دول العالم، ومنها قطاع النقل الجوّي. وفي ظلّ كلّ ما يعاني منه هذا القطاع نتيجة لكلّ الأسباب التي ذكرت أعلاه والتي تعود بشكل أساسيّ إلى طبيعة النظام السياسي، وانطلاقا من تجارب شخصية في عدد من المطارات وشركات الطيران، شكرا طيران الشرق الأوسط وشكرا مطار رفيق الحريري الدوليّ على أمل أن يتطوّر هذا القطاع بشفافية وبعدالة أكثر للمواطنين بالدرجة الأولى لأننا ووطننا نستحقّ، وهذه مسؤوليتنا جميعا.

 “لولا فسحة الأمل”.
حياة الحريري

Founder&CEO of Dialectic Institution
Academic Lecturer and Researcher
hh@dialecticinstitution.com

Pin It on Pinterest

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

Dialectic Institution will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.