Close

محمد الحسيني: من الصرف التعسّفي إلى صاحب مشروع خاص في ٣ أشهر

Screen Shot 2021-04-06 at 12.45.57 PM

بعد انتهاء عقد عمله في دولة الإمارات في العام ٢٠١٨، عاد محمد الحسيني إلى لبنان ليبحث عن فرصة عمل في اختصاصه الجامعيّ في التصميم الداخلي. كغيره من الشباب، تحوّل الهدف من البحث عن عمل يرضي طموحه وشهادته إلى الحصول على “أي فرصة تؤمن الاستقرار والاستمرارية لأن هذا البلد يوجع في تأمين الطبابة، والتعليم وغيرها من الأمور”.

ضمن سلسلة “تمكين الشباب: القصة تحوّلت في الأزمة إلى فرصة”، حاورت “مؤسسة دياليكتيك” محمد الحسيني حول رحلته في البحث عن عمل مرورا بتجربة الصرف التعسفيّ من الوظيفة الجديدة وصولا إلى فكرة إطلاق مشروعه الخاص في العام ٢٠٢٠ في ظلّ جائحة كورونا ووضع اقتصادي يكاد يكون الأصعب في تاريخ لبنان.

“في كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٨، كان “مستشفى الجامعة الأميركية” يطلب موظّفين بعد عملية التوسع التي قامت بها الإدارة، فتمّ قبول طلبي للوظيفة. بالطبع، لم تكن الوظيفة تمتّ بصلة إلى اختصاصي الجامعيّ، وهي أساسا لا تتطلّب شهادات جامعية أو خبرات، ولكن لا بأس بها بالنسبة لوضع لبنان الإقتصادي لا سيّما وأن العمل في المستشفى يتضّمن عدد من الحوافز في الطبابة والتعليم وغيرها”. بعد عام، تلقّى الحسيني رسالة تطلب منه الحضور إلى قسم الموارد البشرية لتوقيع عقد التثبيت ولكنني “فوجئت بعد ذلك بقرار صرفي من العمل ضمن ٢٠٠٠ (من أصل ما يا يقارب ٦٠٠٠) شخص تمّ صرفهم بصورة فجائية بسبب مشاكل مالية أعلنت عنها الجامعة”. في شباط ٢٠٢٠ “كنت رسميّا عاطلا عن العمل، وكان عليّ البحث من جديد عن أي فرصة”.

لم يكن الإحباط والتوتّر نتيجة الصرف المفاجئ، بل بسبب التوتر الذي ساد بين الموظفين مع بداية الحديث عن حملات الصرف في الشهر الأخير في المستشفى. “بسبب الصعوبات والخيبات التي عرفتها في حياتي إذ أنني أعمل منذ أن كنت في الرابعة عشر، اعتدت على تقبّل الظروف مع أنها كانت كسرة في هذا الوقت بعد ما اخترت وظيفة براتب قليل لكنها تؤمن الاستقرار على المدى الطويل. كان الشعور موجع إلا أنني كنت إيجابيا في تقبّل الموضوع إذ كنت على قناعة أنه لا مكان للإحباط بل بضرورة البحث عن بديل سريع”. المعادلة يضعها على الشكل التالي: “في الأزمات القوية قد يشعر المرء بالإحباط، أما في الأزمات المستفحلة في ظلّ وجود التزامات كبيرة لدى الشخص المعني لا يوجد مجال للإحباط ولتضييع الوقت في الحزن بل في البحث عن بديل”.

في شباط ٢٠٢٠، تمّ تسجيل أول حالة في فيروس كورونا. يروي الحسيني كيف استغلّ الطلب المرتفع على خدمة التوصيل لا سيما مع فرض الإغلاق الشامل أولا، وثانيا، بسبب انتشار صفحات البيع إلكترونيا على مواقع التواصل الاجتماعيّ وخاصة “إنستغرام” وبالتالي حاجتهم إلى خدمة التوصيل لتلبية طلبات الزبائن.

ولم تكن هذه المهمة سهلة بوجود عدد من الشركات الكبيرة وإن كانت قليلة العدد في ذلك الوقت مقارنة بخدمات توصيل المواد الغذائية. “ومع ذلك، تواصلت عبر “إنستغرام” مع عدد من صفحات أو حسابات البيع وقدّمت سعرا أقلّ من الذي تطلبه الشركات. البعض رفض التعامل معي كونهم يتعاملون مسبقا مع شركات توصيل، والبعض الآخر لم يتجاوب لأن حجم العمل يتطلب التعامل مع شركة، بينما تجاوب معي عدد لا بأس به من الناس وأحبّوا الفكرة. ولمدة شهر، كنت أقوم بتوصيل الطلبات مستخدما دراجة نارية، وكنت أتأقلم مع أي مردود إذ لم يكن في وسعي البقاء في المنزل دون عمل”.

نقطة التحول

وفي حين شكّل انتشار كورونا في لبنان في شهريّ آذار/مارس ونيسان/أبريل عامل تراجع لعديد من الشركات والأفراد، وجد الحسيني في هذه الأزمة تحدّيا جديدا. “عرضت على أحد أقربائي الذي يملك مصنعا لأدوات التجميل تجربة تصنيع مطهّر اليدين. كان المنتج الأجنبي لا يزال متوفّرا في الأسواق ولم يكن الناس يثقون بالمنتجات المحليّة. أقنعت قريبي بخوض التجربة خاصة وأن عملية التصنيع ليست صعبة إذا ما توافرت المواد الأولية. ولأنني لا أملك المصنع، كنت بمثابة مستشار في هذه العملية ولاحقا عملت على تسويق المنتج والحصول في المقابل على نسبة من المبيعات. تجدر الإشارة إلى أنني لم أكن أملك ثمن المنتجات، فكنت أحصل عليها “ع الأمانة”، وفي ثلاث ساعات استطعت أن أبيع ٥٠٠ علبة مطهّر وهي الكمية الأولى التي كانت بحوزتي”.

عوامل عدة ساهمت بنجاح الحسيني على بيع هذه الكمية بسرعة أهمها معرفة أساسيات العمل في التسويق والتوقيت الصحيح. “من خلال تجربتي في المبيعات سابقا كان لديّ فكرة في كيفية جذب الزبائن وفي تقليب البضاعة بسرعة. فالزبون أو ما يعرف بالمروّج الثاني (Second Dealer) أي في هذه الحالة الصيدلية أو السوبرماركت أو ما يعرف “بالدكان”، تجذبه العروض. مثلا، بدل عرض بيع عبوة واحدة بسعر ثابت، اعتمدت على تقديم الحوافز، أي قدّمت ٣ عروضات صغيرة ومتوسطة وكبيرة. مثلا، مقابل ٦ عبوات تطهير يحصل الزبون على واحدة مجانا وهكذا دواليك. ووضّبت مسبقا كل نوع في سلّة خاصة بالكمية المحددة في العرض. واجهت بعض الصعوبات في إقناع الصيدليات بشراء المنتج ذلك أن البضاعة كانت متوافرة لديها، ولم يكن أحد يتوقع أن تطول هذه الأزمة وتستفحل كما حصل. لذا، بدأت ببيع المنتج للمحال الصغيرة (الدكانة) والسوبرماركت عبر إقناع أصحابها أو القيّمين عليها بأن كورونا ليست عابرة وستنتشر”.

المشروع الخاص

يقول الحسيني أنه لطالما حلم بتأسيس عمل خاص به. هنا، يدخل الحديث في عدم قدرة المبادرات الفردية والروّاد (entrepreneurs) على مساعدة الشباب بشكل كاف. “بعد مدة من العمل في تسويق مطهّر اليدين كنت على قناعة بأنه يجب علينا تطوير هذا العمل عبر تحسين شروطه مثل تسجيل المنتج للحصول على شهادة معهد بحوث صناعية وهي الجهة المخولة لتقرير ما إذا كان المنتج مطابقا للمواصفات أم لا”.

في تلك المرحلة ظهر ما يعرف بال “Face Shield” ولكنه في لبنان لم يكن معروفا بعد ولم تكن تستورده أي جهة بعد بل اقتصر وجوده على الشركات الطبية بسبب استخدامه في المختبرات. في هذا الإطار، يشير الحسيني إلى نقطة تحتاج لنقاش وبحث ودراسة. “ثمّة أمر ملفت في موضوع كورونا يصلح لدراسة أو كتاب، وهو “تراند” وسائل الحماية. في المراحل الأولى كان معقّم اليدين هو السائد، أي “التراند”. فجأة ظهر الطلب الكثيف على الكمامة بمراحل عدة وفي كلّ مرحلة كان يتمّ عرض أنواع جديدة منها، ولاحقا أصبح الFace Shield  هو “التراند” فزاد الطلب عليه. ثمة من يحرّك السوق في هذا الموضوع، تماما كاللعب في الدولار اليوم في لبنان”.

بالعودة إلى كيفيّة تأسيس المشروع الخاص، “كنت في إحدى الصيدليات ورأيت Face Shields  معروضا للبيع. اشتريت واحدا وقمت بتفكيكه في المنزل لمعرفة ماهية المواد التي استخدمت في تصنيعه. بخلفية اختصاصي أي التصميم الداخلي، قمت بتقسيم هذه المواد ولاحظت أنه ليس من الصعب تصميم نموذجا محليّا. بدأت الاتصال بعدد من المورّدين لتأمين المواد المطلوبة بالكميات التي أحتاجها وصمّمت النموذج الأوّل “.

أما لوجستيا، “يوجد في الطابق الأرضي في المبنى الذي أقطن به صالة ومستودع للمفروشات. وبسبب الإقفال العام وتوقف العمل وافق صاحب الغاليري على طلبي باستعمالهما مؤقتا. ساعدني عامل من التابعية السورية يعمل ويقطن في المستودع. هنا، تجدر الإشارة إلى أن السوريين “شغيلين” ومستعدين للمساعدة والعمل بأي شيء. أيضا ساعدني كلّ أفراد عائلتي فقسّمت العمل إلى قسمين: في المستودع تتمّ عملية التصنيع وفي المنزل كان قسم التعقيم. طبعا تطلّب ذلك شراء مكنة خاصة استطعت تأمين نصف المبلغ واقترضت النصف الثاني من عمّي ولاحقا قمت بتسديد الدين بأقل من شهر”.

عوامل النجاح

لا شكّ أن التوقيت لعب دورا هاما في نجاح التجربة “ذلك أن الطلب على الFace Shields  ازداد بسرعة هائلة وبطريقة فجائية. كنا نعمل ليلا نهارا دون كلل أو ملل في تلك المرحلة”.

أما العامل الثاني، فهو “نوعية البضاعة التي صمّمتها. فالبضاعة الموجودة في السوق لم تكن ذات جودة عالية، فعملت على تأمين الجودة والمواصفات الصحية، وعرضتها بأسعار أقلّ من الموجود كونها صناعة محليّة. وبدأت بتسويق المنتج حتى أصبحت معروفا ومطلوبا في هذا المجال”.  

أحب الزبائن جودة المنتج، وهذا كان السبب الأساسي لتواصلهم مع الحسيني بعد عودة الناس إلى أعمالها. “تواصل معي كثيرون لطلب كميّات بحيث تعاملت مع عدد من الشركات الكبيرة مثل معمل غندور ومصرف لبنان بالإضافة إلى عدد من الصيدليات والمستشفيات”. هذا الأمر، دفع الحسيني إلى تسجيل شركته رسميّا باسم Vital Trading بحيث استأجرت مستودعا خاصا لاستيفاء الشروط”.

 

تحديات الإستدامة

 صناعة Face Shield    ما تزال الأساس في الشركة رغم تراجع الطلب عليها مقابل تزايد الطلب على الكمامات الطبية. “أعمل اليوم ضمن شعار كسر الاحتكار وتقديم الجودة الأفضل بالسعر المناسب ضمن القوانين. ولتأمين استدامة الشركة أعمل على التوسيع والتنويع في تصنيع المنتجات التي لها علاقة بمستلزمات كوفيد الطبية. ولأنني أفكر في استدامة هذه الشركة وتطويرها، استحصلت في التسجيل على رخصتين أو ما يعرف بال 2 codes ما يجيز لي تصنيع و/أو بيع مواد أخرى. حاليا أعمل على منتجات طبية مثل الفيتامينات، الأبر، المصل، وغيرها من المواد الطبية”.

وفي الحديث عن أهمية المبادرات الفردية في هذا الظرف الاقتصادي الصعب، يستغلّ الحسيني فائض الإنتاج في تقديمه مجانا كمساعدة للجمعيات ولعمال القطاع الصحي الذين يحتاجون إلى الدعم. “على سبيل المثال، قدمنا Face Shields  إلى مستشفى رفيق الحريري الطبي بعدما أعلنوا عبر الإعلام في مرحلة ما عن حاجتهم إليها. في اليوم الثاني كنا في المستشفى نساهم بكمية من الFace Shield  الخاص بالشركة”.

svg1 min read

Leave a reply

en_USEnglish