Close

الصحافية المعتمدة في الأمم المتحدة دينا أبي صعب تشرح ل “دياليكتيك” عن تأثير الحملة الإعلامية لنصرة فلسطين في أوروبا وفي الأروقة الديبلوماسية

Screen Shot 2021-04-06 at 12.45.57 PM

كيف تتابعين وتقيّمين الحملات الإعلامية حول الحرب على فلسطين خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي؟
يمكن تسمية ما يحصل على مواقع التواصل الاجتماعي بـ”الجبهة” الموازية خلال العدوان على غزة وتحركات الأراضي الفلسطينية الداخلية. منذ بدء التحركات في الشيخ جراح، وما تلاها من تصعيد في مدن الداخل الفلسطيني ولاحقاً في غزة، نشط مستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي في حملات انتشرت على نطاق عالمي، برزت في إطلاق مجموعة من الوسوم (هاشتاغ) أبرزها أنقذوا “حي الشيخ جراح” و “غزة تحت القصف”، وتعززت هذه الحملات بانضمام إعلاميين وسياسيين ورياضيين وفنانين ومؤثرين عالميين للمشاركة في دعم الفلسطينيين، مستخدمين وسوماً إضافية، مثل “Genocide in Gaza” , “Free Palestine” و “Gaza Under attack”. وأضيف اليها مؤخراً وسم “Palestinians live matter” أسوة بحملة أطلقت بعد مقتل جورج فلويد خلال تحركات خصصت لتسليط السوء على الانتهاكات بحق السود والتمييز العرقي والعنصري في أمريكا.
وفي أوروبا نشطت بشكل ملحوظ حملات المقاطعة الموجهة ضد الحكومات (وهي حملات موجودة أصلاً) بدءاً بمقاطعة البضائع الاسرائيلية على نطاق فرديّ وصولا للضغط على الحكومات لوقف مدّ اسرائيل بالسلاح والمال والدعم السياسي. وهنا يمكن الإشارة الى أن مستوى عالياً من الوعي بتاريخ التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، وبتاريخ “غض النظر” الاوروبي عما يجري، برز في هذه الحملات، التي كررت تناول التوسع الاستعماري في فلسطين بوصفه نظام فصل عنصري (أبارتهايد) قائم على التمييز العنصري وفرض العنف والاستعمار، معيدة التذكير بالقوانين الدولية والانسانية التي تصنف الانتهاكات الاسرائيلية الممنهجة ضد الفلسطينيين بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية.

 إلى أي مدى تساهم هذه الحملات في تغيير الرأي العام العالمي حول الحرب على فلسطين؟
بالنظر الى تجارب محلية في سويسرا، ارتفع مستوى وعي الرأي العام بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة مقارنة بما قبل “الثورة الرقمية” (إن صح القول)، فانتشار الصور والأفلام وأخبار أشلاء الأطفال والعائلات المدنية الخارجة من تحت الدمار، بات يصل لمستخدمي هذه الوسائل على نطاق واسع، ولا سيما الشباب منهم. وبموازاة ذلك ساهمت حملات إعلامية ومدنية بتشكيل ضغط على الحكومات المحلية لوقف التعامل مع إسرائيل في تجارة الأسلحة والتكنولوجيا القتالية أو في استيراد البضائع المنتجة في المستوطنات في زيادة منسوب الحذر لدى الحكومات من أدائها، وفي رفع مستوى الوعي الاجتماعي حيال مبدأ المقاطعة أو المساهمة المالية خصوصاً من قبل الجمعيات والمنظمات الإنسانية لدعم العمل الإنساني في مناطق النزاع والحصار ولاسيما غزة.

 

 كصحافية معتمدة في الأمم المتحدة، هل تؤثّر الحملات الإعلامية المناصرة للقضية الفلسطينية بالتوجه السياسي الدولي؟ علما انه في السابق فشل الإعلام في تغيير الموقف الدولي في الحروب على دول الشرق الأوسط. ما الذي تغيّر اليوم؟
تأتي التقارير الاعلامية الموثوقة الخارجة من الميدان لتدعم وتعزز بعض تقارير الامم المتحدة الخاصة بتغطية الحروب عموماً، خصوصاً تلك التي ينفذها مقررون خاصون أو لجان تقصي حقائق، لكن رغم تأثر هذه التقارير أو المواقف المعلنة بالحملات الإعلامية، تبقى ردة الفعل “الدبلوماسية” للأمم المتحدة هي الطاغية، ففي حين نرى التفاوت الهائل في القدرة العسكرية بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية وفي أعداد الضحايا من الجانبين، تحاول لغة نصوص وبيانات الامم المتحدة تحميل المسؤولية عن العنف ونتائجه للطرفين بالتساوي، وتتنوع المصطلحات بين القلق والاهتمام والمتابعة والتنديد. لكن هذا القلق لا يترجم ضغطاً مجدياً يضع حداً لاستباحة الدم والقتل العمد والممنهج، مع العلم أن تقارير أممية عديدة، والآلاف من مداخلات الدول ضمن الاجتماعات الرسمية تصف ما يجري بنظام الفصل العنصري، وتتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، وبانتهاكات متفاوتة للقوانين والاتفاقيات والقرارات الدولية الإنسانية. لكن بالمحصلة، مازالت إسرائيل تحظى بحماية سياسية من عدد من الدول دائمة العضوية في مجلس الامن، وأبرزها الولايات المتحدة، التي لا تتوانى عن تقديم الدعم برفض أي قرار أو آلية تفرض على إسرائيل قتل الاطفال أو استهداف المدنيين ووسائل الاعلام أو الاستيطان، أو الفصل على أساس عنصري أو ديني. وعليه، ترفض إسرائيل عاماً بعد عام، وصول كل بعثات التحقيق الأممية وكل المحققين الأمميين، إن إلى الأراضي الواقعة تحت سلطتها أم تحت السلطات الفلسطينية في الضفة الغربية، أو في قطاع غزة الذي تضعه تحت الحصار لأكثر من 15 سنة

 

هل الإعلام البديل، أي وسائل التواصل الاجتماعي، تنجح في مواجهة التضليل الإعلامي الذي يمارس من قبل الإعلام المنحاز لإسرائيل؟
هناك ماكينة إعلامية هائلة اسرائيلية أو خاضعة للوبي الصهيوني أو داعمة لإسرائيل، والملاحظ، أن من يعملون على إدارة هذه الماكينة ليسوا من الهواة. تعمل هذه الماكينة على ضخ إعلامي مدروس ومركز، فمثلاً، تعمد لتعميم مصطلحات بعينها مثل “الإخلاء” عوضاً عن التهجير القسري، أو “الصراع” بدلاً من النضال أو التحرر الوطني، و”قتلى إرهابيين” مقابل شهداء ومقاومين، وتركز على تفريغ القضية من جذورها التاريخية، وحصرها في معركة آنية بين إسرائيل “النظام الديمقراطي الوحيد في الشرق الاوسط” وحركة حماس “الإرهابية”! وانطلاقاً من هذه المعادلة، يوضع الإسرائيلي موضع الضحية، فيما يبقى الفلسطيني موضع المتهم دوماً، بوصفه مخرّباً أو انتحارياً أو هدفاً، في محاولة لتجريده من صفاته الإنسانية “المواطن/ة-الفلسطيني/ة-الانسان/ة- الطفل/ة- السيد/ة- المرأة..”، وحتى عند قتله من قبل جنود الاحتلال لا يستخدم مصطلح القتل وإنما “الاستبعاد”، وهذا الأمر لحظناه في عملية الدهس الأخيرة التي حصلت في 16-5-21 في حي الشيخ جراح في منشورات الجيش والإعلام الإسرائيليين، رغم انتشار مشهد الإعدام الميداني لمنفذ العملية الأعزل والجريح بالرصاص من قبل أحد عناصر جنود الإحتلال بدم بارد.
الإعلام البديل-عربياً- كثير التنوع، لكنه يفتقد للتنظيم، فمنه ما يعتمد على ردات الفعل العاطفية والآنية، ومنه ما يجنح للكثير من العنصرية والتحريض على القتل، أو لحصر القضية الفلسطينية بالمسجد الأقصى أو بأسلمة هذا الصراع، وهذا يضيّق أفق التعاطف الدولي المنشود من قبل رواد وسائل التواصل الاجتماعي (إذا اردنا اعتبارها إعلاماً بديلاً) بخاصة منهم غير المتابعين وغير العارفين بأصل القضية وخلفياتها وأسبابها.
في المقابل، لوحظ خلال الأسبوع الفائت، ومنذ بداية الضربات العسكرية على غزة، وجود عدد من الناشطين والصحافيين والمواطنين العاديين ممن قدموا مادة حية قادرة على نقل الصورة وجذب التفاعل، وهناك أمثلة كثيرة على “تويتر”، هؤلاء عمدوا لتدوين أو نشر يوميات غزة ومدن الداخل، معتمدين على عدد من المصادر الموثوقة الرسمية أو المتواجدة على الأرض، وقد حقق نشر الصور والقصص ومقاطع الفيديو من أرض الواقع، وبعضها من تحت الانقاض، انتشاراً وتعاطفاً واسعين، وهنا بالتالي تبرز أهمية الإعلامي-المواطن، الذي يعتمد على الهاتف فقط كوسيلة نقل مباشر موازية، ومتفلّتة من “المصفاة” التي تؤطّر من خلالها القنوات التلفزيونية الخبر بما يتناسب وسياساتها في النقل.


ما هو المطلوب إعلاميا اليوم في العالم العربي للتأثير؟
المطالب كثيرة، أولها المزيد من الحرية، ووقف تكميم وقمع وتوقيف ومحاكمة وقتل الصحافيين والناشطين وأصحاب الرأي في مختلف أنحاء الوطن العربي، ولا سيما في الشرق الأوسط، الذي يبقى لناحية التصنيف من بين أسوأ المناطق الجغرافية عالمياً فيما يتعلق بحرية الإعلام.
وبالإضافة إلى الهاجس الأمني والإقتصادي الذي يعيشه الإعلامي، تأتي الحروب والنزاعات لتحول بعض الدول والمجتمعات إلى سجون كبيرة، وبما أن الإعلام يتأثر بشكل وثيق بالمناخ السياسي، يصبح الإعلام مرهوناً بهذا المناخ، الذي يفرض التنوع والحرية والانفتاح والقدرة على الإبداع والتعبير، أو عكس كل ذلك: القمع والتكميم والانغلاق، وصولاً إلى الملاحقة والاعتقال والاستهداف.
ورغم ارتفاع عدد وسائل الإعلام الرسمي والخاص إلى آلاف المحطات العربية، إلا أن الملاحظ أن الأزمات المتعلقة بالحريات والتفّلت من الرقابة والسطوة السياسية والدينية ظلّت على حالها، في حين ظل انتشار وسائل الإعلام المستقلة خجولاً (إن وجدت)، لأسباب متنوعة، يعود أوّلها للتمويل والقدرة على الاستمرارية وتحديث المحتوى، شكلاً إلى جانب المضمون، بما يتلاءم مع عين المشاهد التي باتت تطمح للتجديد والسرعة والتطور.

svg1 min read

Leave a reply

en_USEnglish